تقديــم
الحمد
لله والصلاة
والسلام على
سيدنا محمد
وعلى آله
وصحبه
الاخيار ومن
تبعهم وسلك
طريقهم
واهتدى
بهديهم الى
يوم الدين.
وبعد
، إطلعت
على الكتاب (
سفر الكابري)
الذي لازم
مؤلفه الحاج
بدر الدين
الجشي سكون
الليالي
ساهراً يؤنسه
صرير القلم
على القرطاس،
ولا عجب فقد
صرف زهرة
شبابه في
تدريس اللغة
العربية
لابناء جلدته
ومديراً لعدة
مدارس تابعة
لوكالة الغوث
في لبنان.
كان
مثال المعلم
المخلص
والموجه
الجاد الأمين
والمدير الأب
الرءوم. كان
شغله الشاغل
تثقيف
الناشئة
وتربيتهم
وغرس الروح
الوطنية
الأصيلة في
نفوس روّاد
المدارس. لقد
اجهد نفسه في إلهاب قلوب
طلابه
وطالباته وبثّ
الشوق
والحنين
للعودة الى
وطنهم السليب
فلسطين.
أدرك
المؤلف
مميزيات
قريته، وهو
يافع، بحواسه
واستمتع بها
وغرف من
خيراتها ما
شاء له ان يغرف.
لكن المؤامرة
الغربية
والخداع
العربي
وعجزسلاطينه
آلت الى تشريد
اصحاب الديار
وحرمانهم...
والآن يسكب
الطريد
مشاعره
وخواطره
وحنينه لماضي
قريته السعيد...
فيا ليت
القلوب
المتحجرة
ترِق،
والايدي
البطاشة تلين
لهذا الخطب
الجلل بل
العار المشين
في تاريخ
الامم
المتحدة... ويا
ليت الضمير
العالمي يصحو
من اغوار
سكرات سباته
لعل باطل
اكذوبة القرن
العشرين يزهق
ويعود
المشردون الى
اراضيهم
يبنون ما
هدمته ايادي
الشر من عمران
وحضارة.
تصفحت
الكتاب واذ
بكلماته
تتساوق
بانتظام
ورويّة . يأخذ
بعضها برقاب
الآخر فتشكل
جملاً ثم
فقرات باسلوب
سهل جذاب، لا
تتعثر في
قراءة كلمة
يصعب لفظها،
ولا يصادفك
لغز في
التعبير، بل
تتقاطر الجمل
برفق وسلاسة
كحبيبات
الماء تنساب
في جدول رقراق،
مما دفعني ان
اغوص في اعماق
لجاجة التقط
لآلية استرجع
في رؤيتها
هناء الايام
الخوالي
وتوقظ فيّ
ذكريات كنيزة
عايشتها في
القرية سنتين
في منزل ابن
العم صالح
شاكر الجشي ثم
في منزل يوسف
شحاده صبيح
المجاور لصرح
الزاوية
الشاذلية.
كانت القرية
تتشرف بقدوم
شيخها الجليل
حيث يتحلق
المتجردون
والمريديون
والمحبون في
مجلسه الديني
في الزاوية
الشريفة
والتي كانت
تقتظ
بالمصلين
مساءاً. كانت
الحضرة
المحمدية
تقام بعد صلاة
العشاء
ورائحة
البخور تعطر
الاجواء،
وتلاوة الذكر
الحكيم ترحف
الاسماع،
وحناجر
المنشدين
تصدح
بالاناشيد ..ذكريات
تدغدغ
المشاعر
وتجرح
الكبرياء
وتدمي
الافئدة على
الايام
الغابرة.
شدّني الشوق
ان اعاود
قراءة "السفر"
مثنى وثلاث
ورباع فوجدته
مكتنزاً
بالفوائد
الزاخرة
ومشبعاً
بذكريات
القرية
الوديعة، قبل
ان يغزو الشعر
عارضي فتوّتي.
تتداعى
صور الكابري
من مكنون
ذاكرتي
فتتوارد
الذكريات
الانيسة امام
ناظري كحلم
تقر له العين
وتهدأ له
النفس
فيترقرق
الدمع في
مقلتيّ على
مواضي الايام.
كانت
الكابري
ترتوي من مياه
تنبجس من
جوفها صخّابة
منعشة صيفاً
ودفيئة عسلية
اللون شتاء
يغشى مجراها
بخار شفاف.
كانت جداول
المياه
وسواقي
الينابيع تشق
الاراضي
وتتدفق
رقراقة سخية
تتلوى بين
الاعشاب
الخضراء
المتطاولة
والورود
الملونة
والاشجار
الباسقة
المترنحة او
الظليلة تطرح
افياءها
واثمارها
والنسائم
العليلة تلفح
الوجوه
وتُذهب
النّصب.
كانت
البساتين
الفيحاء
تطّوق القرية
تمنحها الجني
الشهي وعبقها
الفواح،
واشجار
السنديان
والقندول
والبطم تغمر
جبالها
الشرقية
والشمالية
مثلما اشجار
التين
والزيتون
المباركة
تغطي
مرتفعاتها
الشرقية
وتمنحها
خيراتها
وبركاتها.
كان
السهل الفسيح
اخضر ريان
يتحلى
بالاشجار
المثقلة
والبيارات
المثمرة
وسنابل القمح
الذهبية
تتماوج كما
تتماوج هبات
النسائم
العطرة تعبق
بانفاس
النرجس
والرياحين
والفل
والياسمين.
عندما
كانت الشمس
تتهادى متعبة
نحو المغيب
كنا نسمع رنين
اجراس الحمير
والبغال
والجمال فضلاً
عن قطعان
البقر
والماعز
والاغنام
عائدة من
مناكب القرية
تختزن في
ضروعها
الحليب
اللذيذ.كان
الرعاة
ينفثون في
مزاميرهم
اشجى الالحان
ويصدحون اجمل
الاغاني
باصوات عذبة
دافئة، بينما
كانت كلابهم
تتمختر حراساً
امناء على
الماشية.
كانت
القرية تنعم
بالخير
الوافر وشمس
الاصباح
الدافئة ترسل
جدائلها على
اطياف القرية
كما ترسل
الغادة شعرها
الاملس
المسترسل على
اكتافها. كان
القمر الفضي
الشعاع يبزغ
مساء من وراء
قنن الجبال
متهادياً في
سماء القرية
حيث كان
اهلوها يقضون
ليالي السمر
في عرائشهم
على سطوح
المنازل،
تموج نسمات
رقيقة تفوح
بعبير الجوري
واريج الزنبق
وشذا الفل
والسوسن.
ما
أُحيلى
سويعات
التجلّي
عندما
تعودُنا
ذكريات
الاحبة على
تراب الوطن
فتستعر نيران
الهوى ويشرئب
لظى العشق في
الافئدة وقد
اضناها الجوى
وارّق
البُعاد
اجفان العيون
وذوّى
التشريد
والزنازين
ريعان الصبا.
لقد
طال الشوق
لايام كنا
نرتع على
البيادر بين
عورمات القمح
والشعير
واكداسهما.
لقد تأجج
الحنين لايام
كنا نجوب
الروابي
المزركشة
والمطرّزة
بالازاهير
كبخور مريم
والسكوكع
وشقائق
النعمان.
اتسم
اهلها بدماثة
الخلق ولين
العريكة وسعة
الصدر وقِرى
الضيف. كانت
اسرهم تتشابك
بالمصاهرة
وتترابط
عائلاتهم
بالجذور
والارحام
والانساب،
فضلاً عن
جمالية
البيئة وسخاء
الارض قد
اثرتا في نفوس
اهليها
وانطبعت
سلوكاً اخوياً
انسانياً
بينهم .
كنا
نزور ابناء
العمومة في
البستان
الغربي
والجنوبي
والصيقلي
للزاوية
الشاذلية،
كنا نصطفّ على
ضفتي "قناة
الباشا"
يسافر مجراها
الى مدينة عكا.
كنا ننتعش
بمياهها
الباردة
ونطفئ لهيب
العطش ثم
نلتهم ما طاب
من لذيذ
الثمار،
والطيور
صادحات في
الفضاء الرحب
تجاوبها
اغاني
الصبايا
والشباب
والرعاة في
السهل وفي
الهضاب
وذوائب وبطاح
الجبال.
كان
العرس في
القرية عيداً
لها ... الشباب
والصبايا،
الشيوخ
والعجائز
والولدان
والفتيات... كلّ
في اناقته
يقوم
بواجباته ...
الغلمان
يطوفون
باباريق
المياه
الباردة،
الرجال
يرقصون
ويغنون
والنسوة
يرقصن ويغنين
والمتقدمات
في السن يحضرن
طعام الغداء،
ونافخو
المزامير لا
يكلّون
وضاربات
الدربكة
يتنافسن
ويتزاحمن
مبتهجات. كان
الحداؤون
يصدحون
باصواتهم
الرخيمة
وضربات اكف
السحيجة
يتعالى صداها.
كانت ام
العريس
واخواته
يرقصن امام
طابور السحجة
وعلى رؤوسهن
جرار الفخار
مليئة بشراب
التوت
والبرتقال
والليمون. كان
موكب السحجة
يشق طريقه من
امام الزاوية
اليشرطية
الشاذلية حتى
منزل المختار
فالحارة
الرئيسة. كان
تناثر الارز
والحلويات
يعم الموكب
وشآبيب
العطور
تستمطره
كالطل من على
سطوح المنازل..
كانت صحون
الكبة النيئة
محمرّة الطلة
خجلة تزين
طاولات
الطعام ومن
حولها مناسف
الارز مكللة
بكتل لحم
الضأن
والمسوّمة
بالمكسرات،
تزاحمها
اوعية تطفح
باللبن
اللذيذ،
وصحون سلطة
الخضار
الملونة تفتح
شهية
الجائعين.
كان
الحزن يلف
القرية
بعباءة سوداء.
كان كل امرئ
يغفو على تراب
القرية
ويستنشق
نسماتها
ويجرع من
مائها ويعايش
اهلها يعود من
عمله فوراً
يؤدي واجباته
تلقائياً.
هنيئاً
للكابري
واهلها بهذا
السفر . تغوص
اخباره حتى
اعماق جذور
الاجداد،
كاشفاً
تواريخها
السحيقة في
جوف غابرها.
هنيئاً
لقارئه
وحاضنه مرجعاً
قيّماً
لاشجار باسقة
اصلها ثابت
وفروعها
غزيرة الجني
عديدة الفسول
المشدودة
باصول الجذور
في تراب
الكابري
الطهور.
هنيئاً
للمؤلف الجاد
الكدود يتسم
بالعزيمة
الصلبة
والاناة التي
لا تلين. لملم
ذكريات كانت
خبيئة في
ذاكرات
المسنين. اني
اعتقد جازماً
انه جال حيثما
استقر الرواة
يسبر اغوار
صدورهم كما
يطوف النحل
على الازهار،
مهما تباعدت،
يمتص رحيقها
ويجني الشهد
فيه شفاء
للعالمين.
ان
ولادة هذا
السفر يوقظ
فينا سعادة
الدهور
الخوالي
والتاريخ
المجيد... به
نجدّد
طفولتنا
وشبابنا
ونضالنا... به
يأنس الاحباب
الابناء
والاحفاد
والذراري... به
نشحد هممهم
لمتابعة
مسيرة
التحرير حتى
النصر
المؤزّر... وبه
ينبعث في
نفوسنا الأمل
الكبير
بالعودة – إن
شاء الله –
شامخي الرءوس،
نستظل ظلال
السيوف
المشرعة
ورايات
السلام خفاقة
بإذن الله
العلي القدير.
(سحماتا)
مدرّس
في مدارس
الانروا
سابقاً
مأذون شرعي
في محكمة ابو
ظبي سابقاً
خطيب
وإمام في
مساجد صيدا
التاريخ
: 31/7/2002م
الموافق 22/جمادي الاول/ 1423هـ