الباب الثاني

طوبوغرافية قرية الكابري

 

1 – البيئة الجغرافية والطبيعية .

2 – بيوت القرية.

3 – ينابيع القرية.

4 – أراضي القرية وخراجها.

5 – بساتين القرية وكرومها .

6 – سهل الكابري وترشيحا .

7 – وعر القرية وأحراشها .  

 



1 - البيئة الجغرافية والطبيعية

تقع القرية على الساحل الفلسطيني الشمالي تحت اقدام جبال الجليل الغربي. هذه الجبال امتداد لجبال عامل، تنخفض جبال الجليل من الشرق الى الغرب رويداً رويداً. يبدأ الانحدار من غرب بلدة ترشيحا وجارتها معليا حتى بساتين الشبايك والمحاشك (بساتين الكابري شرقاً) وتتابع امتدادها شمال غرب القرية بانحدار "الدهرة" شمال القرية الى قرية البصة. يفصل هذه الجبال المتواصلة الانحدار عن جبال عامل اللبنانية وادي القرن ووادي الصعاليك وقناة ابو لُزِّيق ثم الحدود اللبنانية الجبلية شمالاً.

يمتاز موقعها الجغرافي بعراقة تاريخية بارزة نظراً لكونها معبراً للحركة التجارية والانتقال من قرى الساحل الفلسطيني الى قرى الجبل بدءاً من ترشيحا الى صفد ثم الى دمشق...الخ وقد كانت محطة للقوافل التي تتجه من الكابري الى وادي القرن فالمنوات شمال القرية ثم عبر شعاب جبال عامل الغربية الى لبنان. كانت هذه طريق الغادين والرائحين مشياً او ركباناً على الدواب ايام الانتداب البريطاني والفرنسي .

كان لهذا الامر ووفرة المياه وغزارتها اكبر الاثر في انتشار قرى في سهلها ومرتفعاتها تدل عليها معالم آثار خرب متناثرة يعود تاريخها الى العهود اليونانية فالرومانية فالصليبية ومن ثم ولاة عكا من بني عثمان. تنتشر بقايا الاعمدة والاسقف الحجرية والصهاريج والآبار القديمة وبعض جدران الاسوار وبناء قناة الباشا.

لقد شُيدت بيوت القرية من حول بركة ينابيع عين العسل، وينابيع قناة الباشا (ينابيع الكابري) في منبسط ثم ترتفع منازل القرية رويداً رويداً في اتجاه الشرق الشمالي حتى منازل عاطف افندي سرحان ثم تواصل ارتفاعها حتى منازل آل قدورة فشمالا منزل فارس افندي سرحان واخيه، يتفرع طريق من منزل الحاج خليل الحاج (ابو محمد) وتبدأ الطريق ترتفع قليلاً قليلاً شمالاً حتى منازل آل مرعي، ومن هناك يبدأ الارتفاع بالانحدار نحو الغرب حتى تون الكلس على أطراف الدهرة المنحدرة من جبال معليا.

هذه الدهرة هي الحدود الشمالية لسهل الكابري وتمتد حتى البصة، كما يقع السهل غرب القرية حيث تبدأ البساتين الغناء ثم السهل المترامي غرباً حتى الشارع الساحلي العام الذي يربط فلسطين بلبنان.

اذا ما وقفت على الدهرة او من على سطوح آل سرحان او سطح الزاوية الشاذلية او في اي مكان مرتفع تشهد بام العين امواج البحر تتكسر على صخور الشاطئ. يستمتع الناظر بمرآى البحر الازرق مصقولاً كالمرآة، يتكئ الفضاء على آفاق البحر البعيدة كما يتراءى للناظر، وتتوالى هبوب النسائم البحرية عليلة كتتابع موجات البحر الصاخبة. عندما تجر الشمس اذيال التعب وقت الاصيل تدور معركة ضروس بين نور الشمس وظلام الليل فيصطبغ الافق بدم جيش النور امام جحافل الظلام الذي يرخي اسداله السوداء على المعمورة الا من الانوار الضعيفة المنبعثة من قناديل الكاز مثل الشمعدان من البيوت او من مشاعل شمع اقراص العسل المصنوعة محلياً لانارة السابلة في مسالك القرية وطرقاتها. مشاهد تتنوع وتتوالى بألوان باهرة جذابة تستهوي المتأمل وتلهم الفنان المرهف الحواس فيبدع بريشته لوحات ايحائية ساحرة.

اينما تُوِلّ وجهك ينشرح صدرك وتكتحل عينك بمرأى المناظر الخلابة من خضرة اشجار الرياض المثقلة باشهى الفواكة والذ المذاق، او خضرة كروم الزيتون تميل الى الزرقة بلونها، وتبهر عينك بألوان السهل المتنوعة الاشكال والالوان: هناك قطعة حمراء كلون الحناء، وهنالك قطعة تترامى كالبساط الاخضر الريان، وتلك قطعة تتمايل فيها سنابل القمح والشعير منحنية بتواضع تتلالا تحت الشمس كما يتلالا الذهب على صدور الغواني، وذانِّك مجرى ماء سلسبيل يشق السهل كافعوان يتلوى في طريقه بين الحشائش المتطاولة. ينبعث من سطح المجرى بريق فضي من ضربات ذوائب الغزالة. تتفيأ تحت ظلال الصفصاف والحور والكينا عائلات تروِّح النفس وتعطر الانفاس وترتاح من ضنك الايام، يراقص النسيم البليل قضبان القصب الفارغ باوراقه الطويلة تتمايل ذات اليمين وذات الشمال، يستقي القصب كما تستقي هذه الاشجار الظليلة الباسقة من المياه المتدفقة باردة صخّابة، يطفئ الصبية قيظ الحر عن نعومة اجسامهم، يلقون بانفسهم في غمرات المياه يسبحون ويتراشقون ويهللون طرباً وبهجة.

ولا مناص من استذكار خروبة ابو غالب، فضلاً عن الرياض والجنائن والبساتين، تضرب العجوز المتصابية في اعماق التربة على حافة ساقية مياه جعتون في ارض الرّغب ، تلقي بظلالها الظليلة على الشارع العام حيث تتدافع النسائم الباردة وقت الهجير، تهز اغصانها كأرجوحة الاطفال، تجذب الفلاح المنهوك القوى لينال قسطاً من الراحة واغفاء العين ، او هي ملتقى الخلان والعابرين للاسترخاء وتجاذب اطراف الاحاديث.

اينما حللت وحيثما ارتحلت تجذبك المناظر الخلابة ويستهويك الانتقال من منخفض الى مرتفع يطربك تناغم الطيور وترانيم شبابة الرعيان، وتلفحك النسمات العطرة وتستميلك اطباق الورود بشتى الوانها واشكالها مشرئبة الاعناق لحظة او منحنية على استحياء حيناً او متماوجة احياناً.

واذا ما تأملت الجبل وشموخه ونسيج حلله الخضراء، والوادي واعماقه السرية والينابيع الدافقة، والاشجار العملاقة المترنحة حول مجاري الينابيع. واذا ما تأملت السهل في انبساطه السخي يمتد امامك مثل كف عروس تفور بالحنان، وهو يعوم بالازاهير القزحية الالوان ذات الاريج المسكر تتموج بالاقحوان الابيض وشقائق النعمان الاحمر والخزامى الزرقاء والبنفسجية والختمية والعرندس وزهر السناري الليلكي والياسمين الابيض، كلها تبهر الابصار. لكنك تحار ان تقطف اناملك اجمالها واعطرها . يعبق عطر رائحتها في خياشيم من يمر في مناحي خراج قريتنا، مسقط رؤوسنا.

ولا تسل عن الاصيل، عندما تنحدر الشمس متهالكة نحو الغروب، مكسوفة حزينة افتراقاً. يصطبخ الشفق ارجوانياً بلون دماء ضحايا عابدي الاوثان، ومن حول هذا الشفق الوردي غيوم شّفافة كوشاح الغيد على الشفاه الخمرية الباسمة او كوشاح الحور العين في جنان الخلد خجلا وحياء. هذه الغيوم السابحة تتشكل باشكال متنوعة حيوانية حيناً او بشرية احياناً تأبى الا ان تقترب على مهل من الشفق تشاطره الالام وتتلون بلونه وتشيع افول الشمس واندحار انوارها امام زحف جحافل الظلام، ممنّية النفس بانتصار عودتها ثانية، ومؤدِّية صلاة الاقدمين شكراناً في شروقها ووداعاً في افولها. فسبحان الخلاق العظيم بديع السموات والارض، حباها الله وأنعم عليها بجمال اخّاذ وخير وفير وبركة مباركة مدراراً.

هذه الرقعة من ارض جنان الوطن السليب: قرية الكابري، تستحق بجدارة ان تتبوأ مهبط الإيحاءات الشعرية والالهام لريشة الفنان المصور، وخيال الشاعر الملهم، ويراع الكاتب المبدع.

يشق القرية ثلاث طرق رئيسة من ساحة القرية في مدخلها شمال بركة عيون العسل. وفي الطرف الشمال الغربي من الساحة وتحت منزل ابو طه علي عيد تتفجر ينابيع عيون الكابري ( قناة الباشا ) هادرة .

1 – طريق يتجه من الساحة الرئيسة شرقاً حتى منزل ابو خير عزات الشيخ عيسى ثم تتابع الطريق شرقاً الى البيدر الشرقي ومنها الى درب الكروم شرقاً، ومن منزل ابو خير عزات الشيخ عيسى تتجه شمالاً حتى منزل ابو محمد خليل الحاج (فرحة) وتتابع الطريق شمالاً عرضها ثلاثة امتار حتى منازل آل مرعي والعويتي، وعلى طول الطريق تتفرع زواريب الى البيوت الداخلية والحواكير.

2 – ومن منزل الحاج خليل الحاج تتجه الطريق شرقاً نحو دار عاطف افندي سرحان ثم تتفرع طريق الى المحاشك. تتابع الطريق شرقاً الى دور قدوره ومنها تتجه شمالاً حتى منزل فارس افندي سرحان واخيه احمد افندي وعمهما حسين سرحان بعرض اربعة امتار او يزيد.

3 – أ – طريق ضيقة تتجه من الساحة الرئيسة غرباً بين دار ابو حسين على دغيم ودكان توفيق الشيخ عيسى الى حاكورة عين العسل لآل سرحان ومنازل لآل بلقيس.  وحكورة احمد ياسين.

    ب – طريق رئيسة عرضها ثلاثة امتار من غرب الساحة الرئيسة الى الحارة الغربية المستطيلة والواسعة جداً بطولها وعرضها. ومن الحارة الغربية طريق تتجه غرباً بين منازل ابو يوسف عبد الفتاح الشبطي وابو درويش ركاد الجشي وآل جوهر، وتتابع الطريق الى البستان الغربي للشيخ محمد الهادي اليشرطي ثم الى سهل الكابري وترشيحا.

   ج – طريق ضيقة من الحارة الغربية تتجه غرباً بين منزلي آل صبيح وابو درويش الجشي الى البستان الغربي تلتقي بالطريق"ب" ثم الى سهل الكابري .

    د – طريق من شمال الحارةالغربية بمحاذاة الزاوية اليشرطية الشاذلية وتمر غربها ثم تتجه شمالاً الى بيوت آل محمد خالد الجشي ( ابو علي) وآل احمد خالد الجشي (شاكر خالد) .

   هـ- ومن جوار منزل ابو خالد صالح شاكر الجشي شمال الزاوية الشاذلية تتفرع طريق شرقاً نحو دار عبد الرحيم البشير ( المغربي) ودار ابو محمد عثمان دغيم وما جاورهما حتى المنازل المرتفعة على الدهرة شمالاً.

          تنتشر الكروم شرق الكابري حتى غرب جعتون على تربة خصبة مرتفعة تنحدر غرباً حيث تنمو فيها كروم العنب والتين والزيتون كما تزرع في بعض مواقعهاالحبوب والتبغ، وتنحدر مرتفعات الكروم غرباً جنوباً للقرية حتى ضهر حمار المُغَشّى بشجر الزيتون جنوب بستان الدلبي وبستان الصيقلي للزاوية الشاذلية حتى مقبرة الكابري غرباً، وبذلك تنتهي المرتفعات وتبدأ ارض البساتين ترويها مياه عين العسل.

          تبدأ هذه البساتين غرب المقبرة فالشارع العام ثم بستان المشمش للدكتور عبد اللطيف اليشرطي ودور الرّيسّ وبستان السيد محمد علي توسيز وبساتين قرية النهر حيث يمر الشارع من نهارية ثم يتجه من جنوب الكابري فترشيحا بين البساتين وكروم الزتيون والتين.

          تقع شرق القرية وبالتحديد فوق منطقة الرُّغب وعلى الشارع العام الى ترشيحا بساتين المحاشك لآل عاطف سرحان ثم الشبايك للسيدين فارس واحمد سرحان وغيرهم من الانساب . كلما تلتفت ذات اليمين وذات اليسار على الشارع العام تشاهد مرتفعات غمرتها اشجار السنديان والقندول والبطم والبلوط والزعرور والسوّيد والخرنوب البري

          ومن الهضاب الشرقية حتى قرية معليا مرتفعات تغطّي بالاحراج والبلان وتتباعد في مواقعها آثار خرب تل الوقية والشبيكي وتنّح، جنوب تل الوقية تفترق طريق من الشارع العام تصل الى طريق قلعة جدين الصليبية، اشتراها اليهود بضغط من المندوب السامي البريطاني على صاحبها من آل حوّا من عكا، وهي عائلة لبنانية الاصل. تحيط بالمنطقة احراج كانت موئلاً للحيوانات البرية مثل ابو الحصين والضبع والثعلب وابن آوى والنيص والارانب البرية وبعض الغزلان.

 المناخ

مناخ القرية وسهلها حار في الصيف كمناخ الساحل الفلسطيني. اما في المرتفعات الشمالية والشرقية خاصة الكروم والشبايك والمحاشك والرّغب فانها لطيفة كلما ارتفعنا شرقاً بارتفاع الجبال . وقد سبق ان مر ذكر خروبة ابو غالب الظليلة تستقى من ساقية متفرعة من مياه جعتون، وتقع على القارعة الجنوبية من الشارع العام ، والغريب بالامر ان الهواء البارد يتلاعب باغصانها الوارفة بصورة قّلّما تنقطع، وبين اكناف ظلالها يموج نسيم بارد رقراق، يتفيأ ظلها من لفحته الشمس بحرّها.

          عندما يهب نسيم البحر الرطب يتلطف بمروره بين اشجار البساتين الكثيفة او الباسقة خاصة في الغدو والآصال، يحمل شذا الازاهر والورود وطيب الرياحين. وعندما تتصدر الشمس كبد السماء، خاصة في تموز ( اقطف الكوز) وفي آب (اللهّاب) ترتفع الحرارة وتشتد ، يرتاد الصبية مجرى عين العسل البارد يطفئون غليل الحر ويغطسون في جوفها كما يغطس البط والاوز آناً ويعومون حيناً، يقصد اليافعون والشباب بركة الفوّارة او بركة التل.

اعتاد اهل القرية طيلة ليالي الصيف ان يناموا في عرائش على سطوح المنازل او في كرومهم يستنيرون بعيون الليل أو بانوار القمر الناعس، اذ هي كانت كهرباؤهم وانوارهم الطبيعية يتسامرون في مجالسهم وحلقات انسهم، كما اهتدوا بانوارها في اسفارهم ليلاً مع قوافل الجمال والحمير والبغال يسوّقون انتاجهم الزراعي في الاسواق الشعبية كسوق كفرياسيف وترشيحا.

ومع فصل الخريف تهب رياح شمالية يسميها الاهل برياح السموم تحمل معها الغبار واوراق الشجر الصفراء وتحطم اغصان الاشجار المنتشرة على ضفاف مجرى عين العسل وقناة الباشا وجعتون . يرفع اهل القرية في صلاتهم اكفّ الضراعة يلتمسون من المولى العلي القدير ان يهدئ الرياح العاتية خوفاً على ثمار الزيتون قبيل قطافه ويعتبره الفّلاحون موسم الخير والبركات.

وفي فصل الشتاء تتساقط الامطار غزيرة على الجبال الشرقية وفي سهلها ومرتفاعاتها الشمالية . تتدفق مياه الجبال والمرتفعات منحدرة كالسيل العرِم تحمل معها الطمي الاحمر كدم الغزلان تجرف ما يعترض طريقها عبر القرية نحو السهل، وبعض الاقنية او السيول ما يصب في وادي القرن شمال القرية او يصب في مجرى مياه جعتون شرقا. فالقرية اشبه بقلب الانسان بين الرئتين، والمجاري والجداول اشبه بالشرايين والاوردة، ترد اليها الماء ثم تنبضها في مجاري عين العسل تروي بساتينها وسهلها الخصيب. تهب الرياح البحرية قوية عاتية تصفر في ارجاء القرية وحواشيها فيقول كبار السن:" قريتنا مضرب رياح البحر، يا ساتر يا رب!!"

في فصل الربيع تهب نسائم الغدو والآصال عليلة بليلة مشبعة بالروائح الزكية تضوع في الاجواء من انفاس الورود والرياحين، يسكر المرء بشذا نفحات الطيب المتطاير في الحقول والآكام والروابي المزركشة والجنائن المحيطة بالقرية كالاهداب حول الحدقة، او كالسوار في معصم الحسناء فلا تعرف ايها أثمن واجمل: السوار الذهبي ام المعصم العاجي اللّدن؟؟ عندما تشرف الغزالة من وراء الجبال والهامات ترسل حبائلها الذهبية على الهضاب والمرتفعات وصفحة السهل المنبسط تُنعم الاشجار والنبت والزرع بخيوط الانوار الملونة والتي تمتزج بقطرات الندى على البسط المخملية فتزيدها بهاء ورونقاً، تستقبلها الطيور بترجيعها الشجي وتصفيق اجنحتها في رحاب الاجواء وعلى الافنان المتراقصة إثْر زفير الربيع العبق، تزغرد وتشدو طرباً شجياً وتعزف انغاماً رقيقة يستجيب لهذه الجوقات المتناغمة صياح الديكة وسقسقة الطيور وهديل الحمام ونقيق الضفادع، كأنّ الطبيعة في عرس شبابها الغض الدافق حيوية ونشاطاً. عندما تميل الشمس الى مثوى غروبها وكأنها ضحية من اضحية عرس الطبيعة يصطبغ الشفق بلون الارجوان، تعبر ذوائب الشمس هذه اللوحة الجذابة حزينة باكية، تمحو النسمات بصمات الحر كما تمسح العذراء عَبَراتها عن الوجنات الوردية فراقاً عن شريك العمر وقرير العين وانيس الروح.

بينما يسرع الصيف خطاه حثيثاً تلفحنا انفاسه الكاوية وحرارة شمسه اللاهبة تطفئ غليلها مياه عين العسل المنعشة. بعض الصبية يرتمي في غمار مجراها البارد، ويقطف بعضهم ثمر العوسج ( العليق) الاحمر القاني  او الارجواني الخمري او الاسود الناضج يحشره في قصيبة غاب، ثم يدخل قضيباً من الرمان بعد نزع جلده، يمص سائل العليق حامضاً او حلواً، واحياناً يرسم على وجهه وجسمه رسوم الاطفال باكية حيناً او فرحة احياناً ، يلهو في الماء مع اترابه او اعضاء جوقته طيلة سحابة نهاره. ومن الاطفال من يثقب القصيبة ويلف رأس قضيب الرمان بقطعة قماش بطريقة فنية، يحشر القضيب في القصيبة بضيق الحال ثم يغمسها في المجرى ويرشق الماء حتى تمتلئ القُصّيبة ويضغط القضيب رويداً رويداً فيندفع الماء بشكل خيط مندفع. يسميها الاطفال "زرّيقة" يشكّل الاطفال فرقاً معادية يتحاربون برش الماء .

وفي الصيف الحار تتمايل قصبات الذرةالصفراء وعرانيس الذرة البيضاء وسنابل القمح الذهبية والشعير، كلها ملأى خجولة ومتواضعة مع نفحات النسيم كأمواج البحر الناعمة تهب وئيدة بين الحين والحين. اما اشجار البساتين المختلفة والمثقلة بانواع الثمار الشهية كالبرتقال اليافاوي والبلنصي والليمون الحامض واليوسف افندي والرمان بنوعية الحلو والحامض والمشمش اللوزي. كان البستانيون يهرعون لقطافها وتوضيبها ثم تصديرها الى المدن في شاحنات قبيل فجر كل يوم. ولا تسل عن حلاوة قصب السكر حيث تزرع في ارض تغمرها المياه كانها غابات كثيفة تسمع حفيف اوراقها كحشرجة الشيوخ المصدورين قد آن أوان قطاف اعمارهم.

وفي الكروم المديدة الاطراف تطوف اسراب النحل والزنابير على اشجار التين تمتص عسلها كما تغزو قطوف العنب المتدلية فضلاً عن تنقلها في الحقول التي تغمرها الورود والرياحين والازاهير ترشف رحيقها. فاذا كان النحل مذواقاً يبحث عن الطيب ليجنى مؤونة الشتاء، فكيف بالانسان يروي زرعه من عرق جبينه، يجنى ثمار تعبه وجهده في الهجير او في البرد القارس متمثلاً بقول الحكماء:" زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون".

وفي الصيف كذلك، يبني المصطافون في الكروم العرائش والعرازيل، ينصبون شباكهم الحديدية لاصطياد الضبع وابن آوى وابن عرس والارانب البرية والنّيص حماية لثمارهم واطفالهم من الأذى، يقتنون بنادق الصيد ومسدسات حربية ومقاليع الحجارة يطاردون الحيوانات الضارية.

وفي الصيف يحين قطاف اوراق التبغ ونشره قطوفاً طويلة معلقة على "جحشين" من الخشب تحت اشعة الشمس لتجف الاوراق الخضراء، كما يحين قطاف الذرة و (حليشة) الحبوب كالعدس والفول والحمص والسمسم ثم يحين حصاد القمح والشعير ودرسه على البيدر بواسطة النورج يجره الحيوان الاليف كالحصان او الحمار او الثور او البغل او البقر ثم يذرّونه بالمذراة مع هبوب الريح. وفي السنوات الاخيرة استعملوا آلة يدوية تذرو الحصاد المدروس بواسطة دواليب تهتز غرابيلها بسهولة ويسر. وبعد جني القمح ينشغل الاهل بتصنيع البرغل وجرشه بالجاروشة اليدوية او الآلية ثم فرزه ناعماً او خشناً حسب حاجاتهم في الطعام يحفظونها في مخازنهم طيلة السنة.

وفي الخريف يحين قطاف الزيتون ودرسه في المعاصر او معمل الزيت الحديث واستخراج زيته، والجفت يباع لافران المدن. يحفظ الزيت في دنان كبيرة من الفخار تودع في مخازن البيوت، ويصدر الفائض الى المدن. معظم الاهالي يصنعون الصابون من زيت الزيتون، فضلاً عن كبس الثمار الاخضر بالزيت والحامض والفلفل او كبس الثمر الاسود منه ويحفظ في مخازن البيوت مؤونة سنوية.

 

2 - بيـوت القريـة(1)

          تشكّل الساحة الرئيسة التي تنبجس منها عيون العسل وعيون الكابري مدخلاً للحارتين الغربية والشرقية. كانت المنازل القديمة من حول عيون العسل نواة القرية، ومع مرور الأيام والسنين تمددت القرية فشكّلت حارتين شرقية وغربية وحارة وسطى وحارة شمالية وشمالية غربية، يعني واصلت التوسع حتى الهضاب الشرقية والشمالية والشمال الغربي.

          كانت منازل الحارتين قديمة البنيان، متلاصقة الى حد كان السير على سطوح المنازل القديمة ممكنا اذا ما صعدتَ على سطح أحدها بواسطة سلَّم من جذوع الشجر. كانت سطوح المنازل الجنوبية تطل على ساحة مدخل القرية، بينما كانت سطوح منازل الحارة الغربية تطل على ساحة الحارة الغربية وعلى السهل والبساتين. تحدُّ الساحة الغربية شمالاً الزاوية اليشرطية الشاذلية، وتحدُّها جنوبا دار محمد قاسم ياسين وأخيه عبد الحليم وهي حديثة البناء من الحجر الصخري والأسمنت المسلح وتحدها غرباً منزلا ركاد الجشي وآل صبيح.

          تشق القرية ثلاث طرق رئيسة تتفرع عنها زقاقات ضيقة وهي :

1 – مدخل القرية حتى الساحة الرئيسة في غُرَّتها مروراً ببركة عيون العسل.

2 – طريق شرق الساحة الرئيسة فشمالا ثم شرقا حتى منازل آل سرحان، تتفرع عنها طريق شمالاً حتى مراح العجّال والمدرسة القديمة.

3- طريق تتجه غربا من الساحة الرئيسة حتى ساحة الحارة الغربية مروراً بمنزل المختار. تتفرع من هذه الطرق الرئيسة زقاقات تصل الى المنازل الداخلية. (حوش آل الحصري).

بنـاء البـيوت:

          كانت البيوت القديمة متراصّة وحيطانها مشتركة، تنفصل عن بعضها أحيانا بطريق ضيقة متفرعة عن طريق رئيسة. كانت الجدران عريضة "كلّين" من التراب والحجارة تلتصق وتتثبت بالطين، وفوق الباب والشباك حجر طويل مقطوع من الصخر، كان الباب خشبيا سميكا كما كان مفتاح المنازل الأولى خشبيا طويلا، كانت الشبابيك توصد بعصا سميكة من السنديان أو بقضيب حديدي مسطح، ثم ظهر الغال ذات المفتاح المعدني الطويل. والأقفال والدّقّور المعدنية. كانت هذه البيوت متلاصقة حفظا للأمن من اللصوص أو هجمات الحيوانات المفترسة في غابر الأيام.

          اهتم معظم الأهالي بتربية الأبقار والخيول والحمير والجمال والماعز والأغنام يجعلون بيوتهم دورا واسعة ذات جدران عالية وبوابة مرتفعة يستطيع الجمل أن يلج الدار كما يقول المثل: " الجمّال يُعلّي باب داره". وفي وسط أحد مصراعي الباب (بُويْب)  يدخل منه الأنسان. كان للموسرين بيوت ذات طابقين وسلّم من درج صخري يثبت بجانبيه درابزين من الحديد كدار حسين علي ودار علي دغيم ودار صالح شاكر الجشي... الخ.

          يعيش أهل البيت على مصطبة عالية، ويوجد اسطبل للبقرة الحلوب أو الحمار أو الحصان. لا بد من وجود تبّان ملاصق للمنزل لحفظ مؤونة الحيوانات. كان بيت الجمّالين واسع يتسع للجمال في الشتاء ، وتنام في الصيف خارج المنزل في ساحة الدار المحاطة بالسور العالي مثل دار محمد خليل وردة يعقوب وعارف المصري وراضي محمد علي وزيدان موسى بدر.

          كان طول المنزل المتوسط الحال عشرة أمتار ونيّف  وعرضه يربو على الستة أمتار. كان السقف يرتكز على قناطر من الصخر تعتمد على أعمدة منحوتة ملساء. وفي المنزل" ليوك" للفراش وخزانة حائط للملابس، وغرفة خاصة ملحقة بالمنزل لحفظ التموين والمؤن مثل الزيت والسمنة والمكابيس...ألخ. وكان في حائط صدر المنزل رفوف مستطيلة الشكل لحفظ الصحون الصينية الفاخرة.

          وبما أن السقف كان عاليا يستغل بانوه الفراغ ببناء السّدّة " تختة" يصعد اليها بواسطة سلّم خشبي، وللتختة درابزين خشبية. كان في فناء الدار زاوية للحطب وقنّ الدجاج وعريشة العنب، وفي احدى زوايا الدار الواسعة شجرة من التين أو التوت أو الزنزلخت لمنع البرغش.

          أما أكداس الحطب وجذوع الشجر اليابسة وأرومات اشجار الوعر كالسنديان فكانت ضرورية للتدفئة ايام البرد القارس. كانت النسوة تجلبنها على رؤوسهن او على الحمير من الجبال والهضاب " حطّابات". كان بموازاة جدران المنزل حائط مقسم في جوفه، ولكل قسم فتحة عليا وثانية سفلى " اكْوارة " تُفرغ فيها حبوب التموين والدقيق من حمص وفول وعدس وقمح وشعير وبرغل لأخذ حاجة الفلاح او ربة المنزل ساعة يشاء أحدهما.

          كانت تبنى المدخنة والموقد من الطين والتبن الناعم في زاوية صدارة المنزل، على هيكل من القصب، وعلى صفحة المدخنة رفوف صغيرة تعلو بعضها البعض، لحفظ الأمشاط ودبابيس الشعر والكبريت وأدوات الزينة للمرأة كالكُحل وغير ذلك. كانت السهرات تحلو بسماع القصص المشوقة وأكل العصيدة والزلابية وغيرها من الحلويات الشعبية. كان الصبية والأخوات والأخوة يتحلقون أمام نار الموقد المتأججة بأرومات السندي&#