الباب الاول

الكابري في عيون الزمن

 

1 – محطات الكابري التاريخية .

2 – الآثار التاريخية العينية.

3 – سقوط الكابري في شراك الصهاينة .

4 – موقع الكابري واطيافها .

5 – الاعلام الدينية والدنيوية .

      أ – العَلمَ الديني الصوفي .

      ب- عَلم الزعامة الدنيوية والسياسة .

      ج – عَلم الزعامة العسكرية.

 



1 - محطات الكابري التاريخية

اتفق علماء التاريخ ان نشوء الدول بدأ بالمدينة، ومن المؤكد أن عكا ومدن الساحل اللبناني قد شادها الفينيقيون الذين هجروا جزيرة العرب فاستقر الكنعانيون في فلسطين . كانت الكابري آهلة بالسكان مع النهر والتل سنة 3200 قبل الميلاد(1) على عهد الكنعانيين واتصفت بالنمو والعمران منذ العصر البرونزي، وباطن ارض الكابري يكتنز بالجرار الفخارية وقطع الزجاج السميك الملوّن واحجار الفسيفساء الملوّنة.

غزاها فراعنة مصر 1479ق . م وتعرضت للنهب والتدمير للمرة الأولى؛ ولم يصلها العبرانيون لان عكا ومحيطها كان تابعاً لمملكة أحيرام الفينيقي ملك صور. إجتاح الآشوريون عكا وساحلها في القرن الثامن قبل الميلاد وتعرضت الكابري ثانية للسلب والتدمير حيث عسكرت الجيوش الغازية على ينابيعها. اعقبتها جحافل البابليين بقيادة نبوخذ نصر الشهير بالتدمير والنهب والسبي في أواخر القرن السادس قبل الميلاد ولحق الكابري قبل ان يلحق عكا من تدمير للمرة الثالثة. لم تسلم المنطقة من شرور الحثيين الغزاة في أوائل القرن السادس قبل الميلاد للمرة الرابعة. وما ان مر قرنان من الزمن حتى غزا الاسكندر الكبير الشرق القديم، وفي هذا العصر الهيليني جُرّت مياه الكابري الى مدينة عكا على شكل قنوات للمرة الأولى . انتهت دولة اليونان البطالسة والسلوقية خلفاء الاسكندر بمجيء جحافل الرومان 63ق.م. كانت المنطقة تدين بالوثنية وتعدد الآلهة وان كان اليونانيون اصحاب ثقافة وحضارة وعمران. اعيد بناء القرية تحت اسم (كابرايا) بمعنى الكبيرة.

ولد المسيح في فلسطين وحل الدين المسيحي بدل تعدد الديانات الوثنية، وظلت قبائل مُنغَلقة ومرتحلة في الاصقاع تدين بالدين اليهودي، انتشرت الكنائس بدل المعابد الوثنية والانصاب والأزلام. انقسمت الامبراطورية الرومانية الى غربية عاصمتها روما، والى شرقية عاصمتها بيزنطية. ظلت ديار الشام تحت الحكم البيزنطي الجائر حتى القرن السابع الميلادي.

ظهرت الفتوحات الاسلامية واستولى العرب المسلمون على فلسطين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب 638 م ثم خضعت ديار الشام والعراق للحكم الاموي 661م وخلفه الحكم العباسي وتعدد دويلاته 750م . انتشر الاسلام في ديار الشام وارتفع نداء التوحيد من على مآذن المساجد حتى احتل المنطقة موجات الغزو الصليبي الاوروبي عام 1099م وصار دين الناس على دين ملوكهم، ظل المسلمون يعتصمون بحبل الله بتأهبون للجهاد.

سمىّ الصليبيون الكابري بعد إعادة بنائها باسم (كابِرا)، وأقاموا في رحابها المستوطنات والقلاع العسكرية الصليبية. وفي عهد المماليك الاتراك دمر الاشرف خليل بن قلاوون قرية الكابري ( كابرا الصليبية) للمرة الخامسة كما دمّر المستوطنات في رحابها وهدم القلاع والحصون ثم جلب فلاحين مصريين اعادوا بناءها واوقف نتاج اراضيها لاوقاف القاهرة. وفي عهد المماليك الشراكسة سمىّ المقريزي المتوفّى سنة 1441م الكابري باسم (الكبيرة) لنموها وازدهارها. انتهت دولة المماليك الشراكسة بانتصار العثمانيين في معركة مرج دابق 1516م عين العثمانيون والياً عثمانياً في دمشق يدير شؤون ديار الشام على شكل امارات ومشايخ وعشائر محلية. عاد الفلاحون المصريون الى مصر بانتصار بني عثمان الى مصر. صارت الكابري خراباً تتبع أراضيها وقفاً للسلطان العثماني وولاته في صفد وعكا (دون إصدار سندات تمليك). حل محل بيوت المصريين عائلات اقطاعية كانت عوناً لامراء الشام والحكم العثماني. هبط القرية عائلات من القرى المجاورة ومن صفد تعمل بزراعة الاراضي.

شهد العهد العثماني احداثاً دامية ومزيداً من الفتن علىعهد ولاة متمردين على سلطة والى الشام وعلى سلطان الباب العالي بمساعدات عسكرية اوروبية بعد دحر الصليبيين عن ديار الارض المقدسة. ومن هؤلاء الامراء الولاة الامير اللبناني فخر الدين المعني الكبير 1595 – 1634م الذي ارهق الاهلين بالضرائب ليكسب رضا الدولة العثمانية التي منحته لقب سلطان البر، ثم نفذت فيه حكم الاعدام، اصيبت امارته بالفوضى والاضطراب على ايدي القوات العثمانية المناوئة وتدمير القرى المؤيدة للامير المعني الكبير.

وفي سنة 1750 م استولى ظاهر العمر الزيداني على عكا وبنى المطاحن على مجاري الينابيع وجفف المستنقعات وشجع الزراعة والصناعة والتجارة مع فرنسا. تحالف مع علي بك المملوكي والي مصر واجتمعا على عصيان الباب العالي والتوقف عن دفع الأتاوات والضرائب والرشاوى، هاجمه والى الشام بأمر من الباب العالي وهزمه فسبب الخراب والنهب والقتل في عكا وقرى الساحل ومنها قرية الكابري واغتيل ظاهر العمر 1775م.

عين العثمانيون المملوك احمد باشا الجزار الالباني الاصل حاكما على عكا 1775م. فرض الضرائب الباهظة على السكان لارضاء والي الشام والباب العالي، نال لقب باشا الشام ثم امير الحج. كانت امارته حافلة بالبطش والتعذيب والاحداث الدموية وسبي النساء وبيعهن في سوق النخاسة  كما اهتم بالعمران في عكا وجر مياه ينابيع الكابري اليها للمرة الثانية، وأنشأ جيشاً من المرتزقة البوسنيين والاكراد والارناؤوط والمغاربة. اظهر الجزار سخاء متناهياً بارسال الهدايا والذهب الى السلطان العثماني وحاشيته من لقمة المواطنين خاصة الفلاحين قهراً وظلماً. واهم حدث تاريخي على عهده انه دحر حملة نابليون بونابرت 1799م عن عكا، ويبدو ان جيش نابليون عسكر في الكابري حول مياه عين العسل حيث مقابر الضباط الفرنسيين ماثلة في مقبرة "النَّوَر" شرق عين العسل.

اثناء حصار عكا رفض الامير اللبناني بشير الشهابي مساعدة الجزار ضد نابليون، خشى الشهابي من بطش الجزار فهرب الى حوران ثم اعادته الدولة العثمانية والياً على جبل لبنان بعد موت الجزار. كان الشهابي متعاوناً مع المملوك سليمان باشا العادل خليفة الجزار على عكا والذي اصلح اقنية مياه الكابري وبنى الطوالع لدفع المياه. انضم الشهابي الى ابراهيم باشا المصري في حملته ضد عبد الله باشا الجزار 1832م خليفة سليمان باشا على عكا؛ كانت حملة ابراهيم باشا بدفع من والده والى مصر ضد الدولة العثمانية.

كان عبد الله باشا الجزار قد حضن احمدبك توسيز المملوكي الهارب من مصر وعينّه قائداً لجيشه ووهبه أراضي الكابري ومياهها، بنى توسيز منازل سماها "الرّيس" وأنشأ طاحونة تُسيَّر بدفع مياه عين العسل؛ أعدمه ابراهيم باشا وارسل عائلته الى الآستانة. اتخذ ابراهيم باشا المصري من الكابري معسكراً لجيشه اثناء حصار عكا كما فعل نابليون بونابرت، حيث ما زالت مقابر ضباطه في مقبرة "النَور" مع مقابر ضباط الفرنسيين. بعد انسحاب ابراهيم باشا المصري من عكا 1840م بضغط عسكري من بريطانية والنمسا والبحرية العثمانية والذين توجسوا خيفة من حركة توحيدية عربية بقيادة والي مصر محمد علي الكبير. هرب الشهابي الى مالطة ثم توفي في القسطنطينية.

عادت عكا ومنطقتهاالى الحكم العثماني الذي اعتمد على الاقطاعيين واعوان حكمه، بدأت تستصدر سندات تمليك الاراضي 1860م، اعفت القوانين العثمانية رجال الدولة والولاة واتباعهم وموظفيهم وكذلك المؤسسات الدينية والحركات الصوفية من دفع رسوم التسجيل. عجز الفلاحون الفقراء عن دفع رسوم التسجيل والضرائب مما دفعهم الفقر المدقع ان يلجئوا الىالاغنياء او المقربين من الولاة او الحكام لتسجيل ارض ابائهم واجدادهم، ومن الفقراء من وهب اراضيه للزاوية الشاذلية في الكابري .

يروي الطاعنون في السن ان زواج المرحوم محمد افندي سرحان – رئيس متصرفية صفد آنذاك .. من السيدة خشفة بلقيس والتي ورثت الزوجة عن ابيها الاراضي الشاسعة، كما تزوج المرحوم (الجد الاول) درويش الجشي من اختها نزهة بلقيس، والتي ورثت الاراضي الواسعة ايضاً؛ وقد ورث انسباء هذه العائلة الاراضي في القرية. ويتابع الرواة أن السيد محمد أفندي سرحان قد استغل منصبه في متصرفية صفد وسنجق عكا ايام الحكم العثماني لمدينة عكا من سنة 1840م الى سنة 1888م سجل باسمه الأراضي الواسعة من مشاع القرية في الدوائر العقارية في صفد، كما حصل على فرمان من الدوائر العثمانية في دمشق باستغلال مياه جعتون وينابيع عين العسل مما دفعه أن يزرع البساتين ويبني المطاحن. كانت مخازنه مليئة بالغلال وأكياس الطحين. لما حلت الكوارث الطبيعية على اصقاع الدولة العثمانية مثل حلول سفر برلك وانتشار الجراد الذي أتلف الزرع والضرع، لم يكن بوسع الفلاح الفقير من قدرة على تخطي المجاعة الا برهن أرضه لأي ثري كالسيد محمد أفندي سرحان وغيره من اثرياء ترشيحا أو عكا ومن الأهالي من باع أرضه للموسرين من آل ترشيحا الذين بنوا، كما هو شائع، بيوتا كالخشش تأويهم وتأوي الحيوانات الأليفة كالبقر والحمير والبغال أيام الزرع والحصاد، ومن هذه الخشش ما أهمل وتهدم، ومنها ما بيع لسكان استجدوا على القرية. (وقول آخر ان هذه الخشش كانت بيوتاً للمصريين) والله اعلم.

عندما اقترن مؤسس الطريقة اليشرطية الشاذلية بالسيدة خديجة كريمة أحمد بيك توسيز بنيا الزاوية اليشرطية الشاذلية في الكابري. ضمت في جنباتها المتجردين والمريدين والعاملين في أملاك الزاوية. كان السلطان عبد الحميد الثاني آخر الخلفاء من أتباع الطريقة الصوفية الشاذلية كما تقول السيدة فاطمة اليشرطي. استصدر السلطان فرمانا يمنح بموجبه الزاوية الأراضي الواسعة في الكابري واستغلال جميع مجاري مياهها معفاة من الضرائب ورسوم التسجيل ودفع الميري.

في سنة 1888م الحقت عكا بولاية بيروت وأصبحت مركزا للواء الجليل وصفد وطبريا والناصرة، كان مركز الأمن العام الفلسطيني والجمرك في المصطبة جنوب الدامور السعديات ، وما زالت كتل الباطون تبرهن على ترسيم حدود عكا الفلسطينية. دام الحال كذلك حتى قامت ثورة الشريف حسين للتحرر من الدولة العثمانية بمساعدة بريطانيا وفرنسا. وقعت فلسطين تحت الأنتداب البريطاني كما وقعت لبنان وسوريا تحت الأنتداب الفرنسي. صارت الناقورة الحد الفاصل بين فلسطين ولبنان، وبذلك انسلخت فلسطين عن سوريا ولبنان تحقيقا لأهداف الحركة الصهيونية.

وصفوة القول في محطات الكابري التاريخية: " دالت عكا ومحيطها بما فيها الكابري التي حملت عدة أسماء خلال غزوات من شعوب متعددة الأجناس منذ فجر التاريخ . كانت رائحة الموت تملأ أجواء المنطقة زمنا اثر زمن ثم ما لبثت  أن كانت تنهض من تحت الركام بفضل ينابيعها الصّخابة وترابها الخصيب تبني حضارة متجددة. وما ان كانت تتوالى سنون زاهرة حتى اجتاحت سنابك خيول الطامعين والفاتحين موجة اثر موجة تلمع على صخورها كوميض برق صاعق يهدم الغزاة ما شاده اهلوها من حضارة وعمران وتجارة وزراعة واثراء. وأحيانا، كان مجاهدوها يستنهضون فتكبوا خيول الغزاة وتنثلم سيوفهم وتقع أجسامهم فرائس ضواري الطير وحيوانات البراري، ويفر من طال عمره يلتقط انفاس هزائمه ويجر أذيال خيبته. ومن ثم كان يستوطن القرية أهلون وفدوا من أنحاء فلسطين ومن ديار الأسلام، جذبهم خصيب ترابها وينابيع مياهها واستمطار معصراتها وطيب نسماتها فيطمع فيها شعوب ساقتهم رياح البحار من شواطئ الغرب تمزق صفارات زوارقهم وبواخرهم شواطئ الساحل، ينشرون الرعب في قراه ومدنه، وينهبون المال والذهب، ويدمرون ما بنته السواعد السمر من بنيان وازدهار. هكذا تتنوع الآثار المختلفة باختلاف أجناس سكانها لغة ودينا وانتماء وحضارة.

وفي أواخر القرن التاسع عشر سنة 1882م ميلادية هبت أولى موجات الارهاب من الصهاينة تضرب شواطئنا الآمنة وفي عقول قياداتهم خطط الخداع والغدر، وفي جعبهم كنوز الذهب والمال تغدق على السماسرة وافره لشراء الأرض في فلسطين ومن ثم اقامة دولة اسرائيل المزعومة وتدمير المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان. بدأت الحركة الصهيونية بتسخير ضمائر ولاة بني عثمان والمتنفذين وأصحاب الأقلام الأعلامية وعقول العلماء والأدباء والساسة في أوروبا والبلاد العربية  . كانت الحكومات الأتحادية في الدولة العثمانية الأسلامية قد استندت الى الأسرائيليين والماسونيين وجمعيات سرية أخرى تدور بفلك الماسونية والصهيونية لتتغلب على الفكر الوطني واللسان الحر واليد المقاومِة. كانت تستعين بأموالهم لشراء الأرض العربية وضمائر الأفندية وتمزيق نسيج الشعب الواحد وتفتيت الإرادة القتالية واضمحلال العقيدة الوطنية.

استطاع الصهاينة شراء الأراضي في فلسطين من ولاة بني عثمان، كما يؤرخ نجيب عازوري، ومن الأقطاعيين العرب من سوريين ولبنانيين لأمتلاك فلسطين ومن ثم تدمير قراها وتهجير مواطنيها العرب لبناء مستوطنات على أطلال قرانا وبياراتنا وكروم زيتوننا كما حصل في قرية الكابري على عهد الشتات وفي جميع أنحاء فلسطين المحتلة بعد نكسة 1967م، وبذلك تم لهم كسر حلقة الأتصال بين مشرق العرب ومغربه، كما تم لهم تقسيم البلاد العربية الى دويلات ضعيفة تتنازع على الحدود وتهتم بشؤونها وشجونها القطرية. لذلك تفتتت الارادة العربية الواحدة بفضل ترسيم الحدود باشراف (سايكس بيكو) وقد عملا على جعل حلم الشريف حسين في اقامة المملكة العربية الهاشمية المتحدة حلما سُباتيا ينقشع مع انبلاج فجر العقد الثاني من القرن العشرين.

انقضى القرن العشرون وحل حاديه وأرض السلام تتخضب بدم ابرياء اهلها على ايدي قوات الصهاينة بدعم أنكلو أمريكي علها تحقق حلم اساطيرها من النيل الى الفرات، وكأن خليقة العربان كلها صم بكم عمي لا يفقهون ولا يعلمون الا من آمن بالجهاد المقدس والاستشهاد.

ان أول ما قامت به بريطانيا الماكرة هو تنظيم شبكات الصهيونية في أوروبا وفي الدولة العثمانية وفي الأقطار العربية. ظهر نجاح اليهود في أعمال الجاسوسية والتخريب الفكري والأعلامي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر لنشر الشائعات لخدمة السياسة البريطانية التي عملت على اشراك المانيا حليفة تركيا في قذارة اللعبة الصهيونية وكذلك أشركت فرنسا، وأخيرا تبنت الولايات المتحدة الأميريكية المسخ الصهيوني وتخلّت عن مبادئ الرئيس ولسون الذي أكد حق تقرير المصير للشعوب ومبدأ تحريرها من الظلم والاضطهاد.

ولما آن أوان مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولى ذهب الأمير فيصل ابن الشريف حسين" الحسيب النسيب" الى مؤتمر الصلح، أرسلت بريطانيا الأستعمارية بعضا من القيادات الصهيونية الى الولايات المتحدة الأمريكية وقدموا طلباتهم اليها. شكلت حكومة هذه الولايات لجنة ظالمة  من الخبراء لدراسة المشكلة الفلسطينية. تبنت هذه اللجنة طلبات الصهاينة، وقدمت الى رئيس مؤتمر الصلح وقتئذ مقترحاتها في 12 كانون الثاني سنة 1919م جاء فيها:

1 – انشاء دولة منفصلة عن سوريا في فلسطين.

2 – تكون بريطانيا منتدبة على فلسطين من قبل عصبة الأمم.

3 – توجيه الدعوة الى يهود العالم للعودة الى فلسطين والاستيطان فيها مع المحافظة على الحقوق الشخصية الدينية والملكية للسكان من غير اليهود. وتؤكد المقترحات بأن سياسة عصبة الأمم ستقوم على الأعتراف بفلسطين كدولة يهودية .

ان مبدأ تحرير الشعوب وحق تقرير المصير الذي أصدره الرئيس الأمريكي قد حنث به خلفاؤه وكان خديعة للشعوب المستضعفة عامة وللشعب العربي والفلسطيني خاصة. لقد تم سلب الشعب الفلسطيني المجاهد من أرضه ومنعه من حق التعبير عن آمانيه وآماله وأهدافه وأعطى اليهود حقوقا باطلة تعتمد على اساطير توراتية خرافية، وبذلك حققت بريطانيا الأستعمارية وأمريكا المتصهينة الظالمة شريعة الغاب  .

عرف أهل فلسطين منذ وقت مبكر ما تشكله الهجرة الصيونية من خطر على وجودهم، كما أدركوا التحالف الإستعماري مع الصهيونية فتصدوا لمقاومته بكل جهد مستطاع رغم ضعف قدراتهم وامكاناتهم: لا سلاح لهم الا الأيمان بحقهم، ولا وسيلة الا الإعتماد على انفسهم. فقد تمزقت بلاد العرب شر تمزيق في غمار الحرب العالمية الأولى، ونفذ الفرنسيون انتدابهم على سوريا بعد معركة ميسلون سنة 1920م . كانت بريطانيا قد أخضعت مصر من قبل واتخذت منها قاعدة لتحركها السياسي والعسكري والجاسوسي، بدأ كل قطر عربي ينشغل بهمومه مما ساعد بريطانيا على تنفيذ مشروعها الصهيوني.

كان الفلاحون وفقراء المدن من الفلسطينيين أشد الناس حماسة رغم فقرهم المدقع. كان أكثرهم استعدادا لحمل مشعل الثورة والتضحية. كانوا على استعداد لملاقاة الموت سعداء. شارك أهل الكابري كغيرهم من الفلاحين في جميع الثورات والإنتفاضات الفلسطينية وقدموا التضحيات على مذبح التحرير حينا بعد حين. وما زالت آليات القافلة الصهيونية شاهد عين، وما زال النصب التذكاري لقتلاهم دليلا ساطعا، وما تدمير القرية وذبح عجائزها في أرض المعركة الا انتقام وبرهان على حقدهم وفاشيتهم.

اني لست بصدد تعداد الثورات الفلسطينية ومعاناة الأسرى والمعتقلين والمنفيين والذين علقوا على أعواد المشانق وهم يهللون للموت الزؤام فرحين مستبشرين بالجنة التي أعدت للشهداء. وما انفك الشلال يغزر عبر العقود العجاف الى أن يتم تحرير كامل التراب الفلسطيني من رجس الصهاينة وأعوانهم القريبين والبعيدين ورغم المنافقين والمقصرين والعاجزين.

بالنسبة لأراضي الكابري فقد دمجت مع أراضي ترشيحا، وليست الأرض والقرية تابعة لها كما يدعي البسطاء والمرجفون. والحقيقة التي لا مراء فيها أنه عندما بدأت حكومة الأنتداب البريطاني بمسح الأراضي في فلسطين استعانت بسجلات سنجق صفد ايام العثمانيين، وبذلك تمّ دمج أراضي الكابري بأراضي ترشيحا دون فاصل لأن أهاليهما يشتركون بأراضي السهل منذ العهد العثماني.

" واليوم من المستحيل التأكد مما اذا كانت المستعمرات السته تحتل أراضي الكابري أم اراضي ترشيحا ام أراضي معليا. المستعمرات السته هي : جعتون بنيت سنة 1948م، معونا بنيت سنة 1949م، عين يعقوف بنيت سنة 1950م، معلوت بنيت سنة 1957م. وجميعها تقع شرق موقع الكابري. وفي الجزء الشمالي الغربي من أطلال الكابري بنيت مستعمرة كيبوتس كبري سنة 1949م . وآخر المستعمرات التي بنيت على أراضي الكابري هي مستعمرة كفار فراديم. " (1) 

 

2 – الآثار التاريخية العينية

          القرية موغلة في القدم اصابها التدمير زمناً اثر زمن وتراكمت الاثار في باطن ارضها والاطلال على سطحها، نراها تتباعد في أماكن متفرقة في موقع القرية وفي خراجها، فالمساحة الجغرافية التي تقوم عليها القرية منزرعة بالآثار التاريخية كبقايا المنازل المطمورة او قطع من الزجاج السميك والفخار الفينييقي او الفسيفساء والذهب والفضة، وتحيط بالقرية آثار الخرب والقلاع والحصون الصليبية.

          يشيع على السن الأهلين هذه الروايات:

1 – كانت السيدة ام محمود فنوس الصفدي تقطف كوسى من حاكورة ابو زيدان على السلعوس. فجأة غارت حفرة وعليها بلاطة حجر لم تستطع نزعها، ولشدة تعبها وذهولها مرضت مرضاً نفسياً شديداً.

عندما اقدم صاحب الحاكورة على فلاحتها عثر على قطع ذهبية قديمة العهد. وفي احدى زواياها، اعتادت النسوة ان تستخرج تراباً كلسياً يستعمل طيناً لجدران المنازل، عثرن على قطع من الذهب الخالص بحجم قبضة اليد ينبعث منها اشعة مختلفة الالوان كلما ضربتها الشمس. اشتراها رجل من آل فريوات من البصة ثم باعها الى الجوهري عزيز بك الخياط من حيفا، وقيل انه اثرى وامتلك بنايات في شارع الملوك في حيفا.

2 – يرَوى عن حاكورة ابو محمد عثمان دغيم حيث عثر على آثار معدنية وفخارية قديمة مغمورة بفحم نباتي. بينما كانت ام محمد توفيق بلقيس تستخرج تراباً كلسياً من الحاكورة اذ عثرت على قطع ذهبية متناثرة في الحفرة، صرخت من فرط دهشتها سمعها صاحب الحاكورة واخذ نصيبه الوافر من قطع الذهب كما عثر على قنينة اثرية مليئة بالبودرة يقال له "تبر" كما اخبره الجوهري الياس الطوبي في عكا الذي ابتاع جميع الاثريات سراً.

3 – روى ابو خير عيد فيراوي انه عثر على ثلاث عشرة قطع ذهبية وفضية اثرية في منطقة الدهرة، وقيل ان ابا درويش محمود بلقيس قد عثر على ثلاثة قطع ذهبية اثناء حراثة ارضه في الدهرة.

4 – روى ابو محمد صالح الجشي عن والده قائلاً: " بينما كان العمال يحفرون اساسات الزاوية الشاذلية اليشرطية في القرية وباشراف الشيخ على نور الدين اليشرطي عثروا على دهليز في باطن الارض ينتهي بمجموعة من جرار الفخار مليئة بتراب يغمر قطعاً من الذهب. قال الشيخ الجليل : امرنا الله سبحانه تعالى ان ننير العقول على الصراط المستقيم بالايمان والعمل الصالح، لكن الذهب كنز من حطام الدنيا. ثم امر ببناء قناطر عليها وتركها لاهل الدنيا وهو يتلو الآية الكريمة:"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم(1) صدق الله العظيم.

5 – يضطجع ضريح من الطين على صورة قبر ذي جوف حيث ينار بزيت الزيتون ليلة الجمعة وليلة الاثنين وايام الاعياد . يقوم هذا المقام للسيد "المغازي" غرب دار قدورة . يتبارك اهل القرية به، وينذرون له النذور اذا ما الم مصاب بمكروه. يعتبرون هذا المقام لمؤمن له كراماته كفارس من فرسان الفتح الاسلامي.

          يروي الحاج خالد الزعزوع حادثة حدثت مفادها : عاش في القرية ايام عاطف افندي سرحان شخص يهودي اسمه الياهو زتوني مع اسرته في منزل حسين علي ذي الثروة الحيوانية. ألمت بابن اليهودي وعكة صحية اصيب بهزال شديد ووقع الابن تحت تجارب الوصفات الطبية الشعبية، ولكن حالته الصحية ازدادت سوءا. نصحتها جارتها الحاجة بيكه ان تنقل الابن لزيارة المقام وتنذر له النذور كعادة اهل القرية. لما علم الياهو بالامر صفعها قائلاً: "نحن اليهود لا نؤمن بالمقام وصاحبه ولا بدينه".

          تنامى الخبر الى مسامع الافندي عاطف سرحان الذي استدعاه الى مجلس ديوانه وسأله عن حال ولده المريض. ردّد الياهو سوء فعلته وشتائمه بسخرية وقحة امام الافندي. سرعان ما بادره الافندي بالصفع قائلاً له: " اتسخر منا ومن عاداتنا واوليائنا ومقاماتنا يا ... " اجابه اليهودي حالاً:" اليوم تصفعني يا افندي وغداً سنطردكم من بلاد اجدادنا هذه". هرول اليهودي الى منزله يحزم امتعته ثم غادر القرية.

          كان هذا اليهودي يجمع الحليب من زرائب الماعز والاغنام والابقار يستخرج الزبدة والاجبان والالبان ويسوّقها في المدن.

6 – مقبرة النّوَر: تقع غرب البيدر الشرقية تحضن مقابر للجند الفرنسيين وضباطهم اثناء حملة نابليون بونابرت على عكا، كما تضم اضرحة جند وضباط ابراهيم باشا المصري اثناء حصاره مدينة عكا. ويشاهد على كل ضريح اسم صاحبه ومسقط رأسه سواء اضرحة الفرنسيين او المصريين وكتابات باللغة الفرنسية والعربية.

7 – تتناثر في ضواحي القرية وخراجها اثار وافرة لان الانسان منذ بدء الخليقة كان يرد موارد الينابيع ومجاريها ويحط رحاله وانعامه تنعم بالمرعى اليانع المخضر وتسرح طليقة في الجبال والهضاب حيث الكلأ والشجر المخضوضر. ومن الآثار التاريخية القائمة الى يومنا هذا رغم الرياح والاعاصير والزلازل وعبث الغزاة كشواهد على القيمة التاريخية لهذه القرية ومحيطها.

أ – المطاحن: تنتشر المطاحن على مجاري المياه المتدفعة فمثلاً الطاحونة القديمة الملاصقة لبناء بركة عين العسل، وطاحونة الرّيسٍ على مجرى عيون العسل. وطاحونة في ارض جعتون حيث تتجمع آثار ابنية قديمة. والمطاحن على مجرى وادي القرن، كمطاحن الشوفينية والعسّافية والدرابسة وام الفار وطاحونة المنوات على قناة ابو لزيق شمال القرية؛ ومطحنة آل سرحان شرق القرية.

          تدلنا كثرة المطاحن ان المنطقة كانت مأهولة بالقرى والمستوطنات الصليبية حيث كانت تترامى في فيحاء المنطقة سواء في السهول او المرتفعات. وهاك اسماء بعضها ما زالت قائمة او متهدمة وهي:

ب – قلعة جدين اقيمت على تلة شرق القرية ترتفع 420م عن سطح البحر بناها الفرنج الصليبيون في اواخر القرن الثاني عشر ودمرها الاشرف قلاوون 1288م لمنع عودتهم .

ج – خزان المياه: ويقع في مرج ارض الجليل من خراج قرية معليا شمال الكابري. وهو عبارة عن خزان لحفظ مياه المطر حيث ترتوي منه المواشي ولري زراعة التبغ طوله اكثر من عشرين متراً وعرضه عشرة امتار وعمقه خمسة امتار وفيه قناطر تحمل بلاط السقف؛ وفي زاوية منه عشرون درجة تصل حتى قاعه.

د – بئر خزنة: بئر عميقة العهد تجمع فيه مياه المطر ويقع شمال غرب القرية.

هـ- خربة الطويري: تقع جنوب السهل فيها اعمدة وبناء مهدم.

و – خزبة العامود : تقع في سهل الكابري وما زال العامود فيها وحوله آثار ابنية.

ز – خربة الشقف : وتقع غرب خربة العامود مليئة ببقايا ابنية اثرية وفخارية. وهي قريبة من قناة ابو لزيق ويرتفع فيها عامود من الحجر بارتفاع 3 م .

ك – خربة المنوات : وهي شبيهة بقلعة قديمة لها جدران عريضة وقباء وقناطر ودهاليز وفيها قصر يدعى قصر عنتر.

ل – خربة الشبيكي: تقع شرق الكابري وقيل ان فيها كنز مرصود وعثر شيخ مغربي يدعى محمد التونسي وخليل الحاج حسن على صاع من الذهب الخالص.

م – ارض البلانة : تقع بين الشبايك وبين المحاشك شرق الكابري وفيها آثار ابنية قديمة ومغاور وقطع من الانتيكا.

ن – ارض تِنِّح : تقع على مرتفع وهي ارض مشاع مليئة بآثار الابنية القديمة ومغاور وكهوف ودهاليز.

3 – سقوط الكابري في شراك الصهانية

          قامت قادة جيش الانقاذ العربي بزيارات الى مواقع المعركة بعد الانتصار . ابدوا اعجابهم بشجاعة وبطولات شباب وشيوخ الكابري واستعرضوهم باسلحتهم القديمة، ثم منحوا القرية مكافأة بنادق وذخيرة من اللجنة العسكرية العربية بدمشق. بدأت هذه القيادة لجيش الانقاذ بعد اسابيع من المعركة بتمثيل مسرحية تنقُّل واستبدال مفرزة قوات جيش الانقاذ في القرية وضابطها ابو محمد علوش بحجة التبديل العسكري تارة ودعم قوات الجيش في معركة صفد طوراً. هذه المسرحيات الهزلية دفعت الكثير من النساء والاطفال والعجائز الى مغادرة القرية الى ترشيحا وبقاء الشباب المسلح في القرية، والكثير من عائلاتها غادر الى لبنان لانهم اما من جذور لبنانية او لهم اصدقاء في قرى الجوار من جنوب لبنان.

          قبيل رحيل آخر فرقة من القرية قدم الرقيب اول من قوات الانقاذ المدعو "متروك"(1)، صديق الوالد، وهو من بدو الاردن، قدم منتصف ليل اول ايار 1948 بعد انفضاض جلساء ديوان الشيخ، همس باذن والدي "الشيخ" وبصوت خافت قال : "ياسيدي الشيخ أُطلعك على سر مفاده ان قرى الساحل خلال الايام القادمة يمكن ان تصير فريسة للصهاينة بسبب غياب قوات جيش الانقاذ. وانت يا شيخي بمقام والدي، ارجوك ان ترحل الى ترشيحا الجبلية مدة اسبوعين حتى نحرر صفد من الصهانية ثم نعود بقوة اكبر وعدادٍ افعل لاحتلال جميع مستعمرات الساحل الشمالي، وحياتي يا سيدي الشيخ رهن افشاء هذا السر، كما انك ياسيدي رجل كفيف البصر لا تستطيع الفرار اذا ما حصل اعتداء من العصابات على القرية في غيابنا، وسينتقمون من القرية التي دمرت قافلتهم وقتلت قواتهم". ولا ندري كيف انتشر الخبر في القرية كوميض البرق صباح اليوم التالي. كما اشار السيد متروك .

          ارتحلنا الى زاوية ترشيحا، مكثنا هناك ثلاثة اسابيع ، طلب والدي من امي ان تعود الى الكابري برفقة خالتي ام محمود نبيهة بلقيس لتزويدنا بالطحين والمواد الغذائية وكمية من بيض الدجاج وبعض الفراريج وبعض كتبه الخاصة ومواد غذائية من الدكان.

          توجهنا عصر يوم الثلاثاء في 20/5/1948، سبقتُهما على الشارع العام نحو القرية.عندما وصلنا القرية التقينا بالشيب والشباب المسلح اذكر منهم فضل بلقيس، مصطفى بلقيس عمر الاشوح، محمد عارف المصري، توفيق يعقوب، عمر احمد شاكر الجشي، وكانت أعداد كثيرة من الشباب والمتوسطي العمر في القرية يجوبون الطرق والاحياء ومنهم ابو حسين علي قدورة وابو خالد الزعزوع وابو محمد صالح الجشي والدليل واخوه عيد الفراري وابو محمد خليل الحاج وابو نمر حماد وابو موسى مصطفى بلقيس وابو محمد عثمان دغيم وابو العبد صالح الصفدي ومحمد صالح الدباجة.

          قبيل الفجر ايقظتني والدتي على ضجيج تكسير الابواب واطلاق الرصاص الآلي والقاء القذائف بين حين وآخر على أحياء متفرقة من القرية. كانت قد اسرعت خالتي من منزلها في الحارة الغربية تضرب كفاً بكف وتخبر امي ان قوات اليهود كثيفة العدد تحيط بالقرية من الشمال ومن الغرب قائلة لها:" هيا بسرعة نغادر بوحيدك قبل وصولهم الينا". وما ان خرجنا من المنزل حتى سمعنا منادياً ملثماً بكوفية فلسطينية يربض في زيتون العفيفي دلنا على الطريق بين الزيتون الى ترشيحا بلكنة اجنبية.

          وصلنا بساتين الشبايك المرتفعة شرقاً واذ شاهدنا جماعات من القرية نجوا من غدر الصهاينة . بدأت عتمة الصبح تنحسر، وقعت ابصارنا على اعداد هائلة من الصهاينة تحيط بالقرية من جميع المرتفعات الشمالية والشرقية. اخبرنا الناجون ان عناصر كثيفة تجوس ازقتها وطرقها وحاراتها وتتمركز فوق سطوح المنازل العالية، دار فارس سرحان ، دار عاطف سرحان، دار الزاوية الشاذلية ودار محمود ديب الصفدي. واذكر ان احد المجاهدين قال: " اين زعماء القرية وملاكو بساتينها واراضيها؟ "اجابه آخر: " لا يكفي انهم هجروا القرية بل بخلوا علينا بالسلاح والعتاد". واردف قوله:" من منكم شرب آخر شربة من عين العسل؟؟ لقد شربت منها شربة لا أظماً بعدها ابداً، هيا بنا الى ترشيحا نستجير بجيش الانقاذ."

          وبينما نحن في طريقنا الىترشيحا بدأت اصداء الالغام في بيوت القرية تدوي وسحب من الغبار والدخان تتصاعد من القرية. وصلناترشيحا قبيل الضحى واخبار سقوط القرية تشيع جهاراً على الالسن وعناصر جبش الانقاذ العربي وقياداتهم اصيبوا بالصمم والعمى لا ينفر الطير من حولهم وكأن الامر لا يعنيهم.

          عصر ذلك اليوم غادرنا زاوية ترشيحا نحو دير القاسي برفقة اقاربنا الذين تواجدوا في الزاوية. وفي الطريق التقينا بعائلات كثيرة هجرت قراها الى لبنان. مكثنا في دير القاسي – الحارة الغربية – ليلة وهي خالية على عروشها . كنا نسمع طيلة الليل اصداء المتفجرات في بيوت القرية المتهاوية. وفي الصباح الباكر فقدنا امل العودة الى ارض الآباء والاجداد، بدأ والدي يفسر حديث الرقيب الاول الاردني "متروك" له وتبين ان هذا الجيش يأتمر باوامر قائده العام الذي ضم الضفة الغربية بعد نزوحنا الى مملكته: وبدل الاستيلاء على مستعمرات الساحل الشمالي كما اخبره "متروك" قام هذا الجيش بتسليم قرى الساحل الشمالي للصهاينة.

          توجهنا صباحاً الى لبنان صفر الايادي وحططنا رحالنا في الزاوية اليشرطية الشاذلية في زقاق البلاط – بيروت. مكثنا هناك اياماً معدودة ثم توجهنا الى كامد اللوز ومنهاالى القرعون – البقاع – وبعد قضاء سنة ويزيد عدنا الى قرية قانا في جنوب لبنان ؛ حيث توفي والدي الشيخ ودفن في مقبرتها عام 1950م وقد اوصانا  ان ننقل عظمة من عظامه الى مقبرة آبائه واجداده بعد تحرير فلسطين . وفي صيف عام 1951م انتقلنا الى مخيم الرشيدية قضينا بضعة اشهر ثم انتقلنا الى مخيم برج البراجنة لمتابعة دراستي.  اخيراً حدثت المعركة في 27/3/1948 يوم الخميس وسقطت القرية في 21/5/1948 فجر الاربعاء أي بعد (54 يوما) من معركة الكابري الكبرى .

          يروي السيد ابو موسى مصطفى بلقيس انه شاهد ارتالاً من آليات الصهانية تتقدم نحو القرية من طريق السهل الترابي غرباً، وتتقدم مجموعات صهاينة راجلة من مرتفعات الدهرة شمال القرية، كانوا يطلقون النيران من اسلحة آلية كما يقذفون القرية بالقذائف الصوتية المرعبة بين الحين والحين. وما ان وصلت اعدادهم بيوت القرية من الجهة الشمالية حتى بدأوا بتحطيم ابواب وشبابيك البيوت المقفلة بالبلطات ينهبون ما شاء لهم ان ينهبوا ثم يتم تفجيرها بالالغام.

          ما زلت اتذكر اسماء المجاهدين المسلحين من رجال القرية: على قدوره، خليفة الصفدي، محمود الزعزوع، صالح محمد ( ابو علي) الجشي، عيد سعيد فيراوي، خليل الحاج خليل، صالح الصفدي، علي مرجان، عمر الاشوح، جميل يعقوب، فضيل يعقوب، فضل بلقيس، الدليل فيراوي، ركاد يعقوب، خليل الصفدي، محمد الصفدي، محمد سعيد الاشوح، صالح بلقيس، فتح الله جوهر، خالد الاشوح، توفيق احمد شاكر الجشي، محمد عارف المصري، عبد الله ركاد الجشي، عمر احمد شاكر الجشي، محمد جوهر ، الحاج درويش الخليل، محمود الحاج درويش الخليل، نور الهدى محمود مرعي.

          ويقّدم ابو موسى مصطفى بلقيس اعتذاره لمن كان من رجال القرية مداوماً وسقط اسمه سهواً لضعف الذاكرة في سن الشيخوخة . اجتمع الرجال الذين كانوا في قاعدتهم العسكرية امام دار فارس افندي سرحان شمال شرق القرية ودار نقاش حاد. كان الشباب مندفعين للمواجهة والاستشهاد، لكن كبار السن ذوي الخبرة العسكرية فضلوا الانسحاب بسبب اعداد الصهانية الهائل، كانوا مدججين بالاسلحة الحديثة والمدافع والآليات فضلاً عن عدد وتعداد المشاة، بينما كان عدد رجال القرية لا يزيد عن ثمانين رجلاً . كانوا يمتلكون بنادق قديمة ومتنوعة المصدر وذخائر محدودة ومتنوعة . وبعد جدل رجحت كفة العقلاء بالانسحاب على شكل مجموعات شرقاً نحو ترشيحا على صدى الانفجارات المتلاحقة. توقفنا في مرتفع بساتين الشبايك نودع قريتنا وقد لفها الدخان والغبار المتصاعد ينبعث منها رائحة البارود السموم. ذانِّك هي بلدي

*    *    *

كانت بلدي طفلا يحمل كتبه .

او يسرح في الحقل او البرّية .

كان يسبح مع اقران في البركة .

او عمالا تبني بيتاً وجنينة .

او فلاحاً يزرع شجراً او بقلة .

او يحرث حقلا من زيتون وكرمة .

*    *    *

كانت بلدي تنمو او تُزهرْ.

تبنى حلماً كالورد العاطرْ .

ويهبُّ نسيم  بالطيب الناثرْ.

ينمو الفل على اجفان الكوثرْ .

ستحيا بلدي بعد التيه بنصر الله وتكبرْ .

المؤلف

 

          وللذكرى المؤلمة نقتطف ابياتاً من نونية ابي البقاء الرندي، اشعر شعراء الاندلس، وهو يبكي كما بكى ابو عبد الله آخر ملك عربي على اسبانيا فتردُّ عليه امه بقولها:" إبكِ مثل النساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال".

هذه الأبيات تترجم أحوال وجهاء وزعامات فلسطين عامة والزعامات السياسية والدينية خاصة في قرية الكابري.

 

لكل شئ اذا ما تم نُقصان

 

فلا يُغَرُ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمور كما شاهدتُها دُوَل

 

مَن سرّه زمنُ ساءته أزمانُ

وهذه الدورُ لا تُبقي على أحد

 

ولا يدوم على حال لها شانُ

أتى على الكلّ أمرُ لا مَرَدَّ له

 

حتى قَضَوا فكأنَّ القوم ما كانوا

يا مَن لِذلةِ قومٍ بعد عزّهم

 

أحال حالَهُمُ جَوْرُ وطغيانُ

بالامسِ كانوا ملوكاً في منازلهم

 

واليوم هم في بلادِ العُرّب عُبدانُ

لِمثلِ هذا يذوبُ القلبُ من كَمَدٍ

 

إن كان في القلب إسلامُ وإيمانُ

 

                                                     (ابي البقاء الرندي)

4 – موقع الكابري وأطيافها       ماءُ وثراءُ        هناءُ وفداءُ

تقع القرية شمال شرق مدينة عكا، شمال فلسطين، على بعد خمسة عشر كيلو متراً من عكا، قد يكون تحريفاً لكلمة "كابرايا" السريانية بمعنى الكبير والغني(1). ذكرها الجغرافي العربي المقريزي المتوفي عام 1441م باسم "الكبيرة". وقال ان خراجها اوقفه المملوكي الاشرف خليل 1291م على احد اوقاف القاهرة(2). جلب اليها مزارعين مصريين. وبعد ان طرد الاشرف الصليبيين من بلدة الكابري والقرى المحيطة بها هدمها وهدم قلعتي جدين والقرين حتى لا يعود الصليبيون الى الكابري ومحيطها من قرى وقلاع. وكان قد دعاها الصليبيون "كابرا"(3).

تنبسط القرية تحت اقدام جبال الجليل الغربي والتي هي امتداد لجبل عامل اللبناني، تستلقي جبال الجليل الغربي من الشرق الى الغرب بانحدار شديد حتى مشارف القرية من جهة الشرق ( ارض الكروم والبساتين الشرقية). ويواصل انحدارها من الجهة الشرقية الشمالية بشكل منحدرات وهضاب تكسوها اشجار الزيتون والخرنوب والاشجار البرية وبساتين المحاشك والشبايك وغيرها شرقاً وكروم الزيتون والتين واللوز والصبار حتى مشارف قرية البصة الساحلية والواقعة شمال غرب القرية.

يترامى السهل الساحلي الخصيب التربة غرب القرية، تغذيه عذوبة وغزارة ينابيع القرية، وتفصله عن مستعمرة "نهاريا "الصهيونية الطريق العام من الناقورة حتى مدينة عكا.

بلغ عدد سكانها عام (1945) 1520 نسمة(4) شردهم الاعداء الصهاينة "الهاجانا" في 21/ايار/1948(5). وجعلوا القرية عاليها سافلها انتقاماً منها لقتلاهم في معركة الكابري حيث زرعوا نصباً تذكارياً نقشوا عليها اسماء قتلاهم تحت عبارة "الابطال يموتون اولا". صار المكان منتزهاً سياحياً ومزاراً للصهاينة وتاريخاً مجيداً للتلاحم الشعبي ضد الغزو الصهيوني.

كانت القرية مبنية فوق موقع اثري واسع يمتد الى الجنوب الغربي نحو القريتين التوأمين "النهر والتل" وقد اصبحت هذه المنطقة آهلة اول مرة في 3200ق.م

كانت مكتظة بالسكان حتى 500 ق.م حين احتل الفرس المنطقة، وكان في هذه المنطقة اسسس ابنية وقطع من الفسيفساء ومقابر منحوتة في الصخر. وكان الى جانب القرية خرب فيها بقايا بناء مربع مبني بالحجارة المنحوتة وصهاريج للمياه محفورة في الصخر(1).

بيوت الريس : تقع غرب مقبرة الكابري وعلى الشارع العام مساكن ودور لآل توسيز بُنيت زمن عبد الله باشا الجزار والي عكا 1818م وتسمى بيوت "الريس" . هربت عائلة توسيز من مصر الى عكا وعين واليها احمد بك توسيز قائدا لجيش ولايته. عندما بدأت الدولة العثمانية بتسجيل العقارات واصدار سندات التمليك اعفت الدولة العثمانية اعوانها في المناطق كما اعفت المؤسسات الدينية من الضرائب والمكوس التي يعجز الفلاح الفقير على دفعها.

ينابيع الكابري: تشتهر الكابري منذ فجر التاريخ بينابيعها التي تُعرف بعيون الكابري(2) وعين العسل والمفشوخ (التل) وعين الفوارة (النهر) تتفجر منها الينابيع التي تسقى البساتين الغناء. تصرف مدينة عكا من مياه الكابري حوالي عشرة ملايين متر مكعب، وهذا ما جعلها من اهم مصادر مياه الشرب في فلسطين(3). إضافة الى الينابيع الآنفة الذكر ينابيع جعتون شرق الكابري ووادي القرن وقناة ابو لزيق شمالها.

1 – في غرة القرية مجموعة ينابيع عين العسل، تنبجس في حضن بركة عالية الجدران يعود بناؤها لقرون مضت، يبلغ ارتفاعها سبعة امتار، ويبلغ عرض جدرانها من ثلاثة امتار الى خمسة، يلاصق البركة طاحونة اثرية قديمة. تتدفق مياه هذه الينابيع صخّابة من مجرى يبدأ بكوة قطرها ثلاثون سنتمترا، ثم يسيل المجرى عبر الحائط بشكل مخروطي ذات اضلاع اربعة قائمة الزوايا، يبلغ ارتفاع كل ضلع من مدخل المجرى متراً ثم يتناقص وصولاً حتى الكوة عبر المخروط تتدافع من هذا المجرى المياه الطهور المتدفقة والشديدة البرودة صيفاً والدفيئة شتاء. يغشى المجرى البخار الدافئ شتاء، وتتلوّن بلون العسل المصَّفى. تنحصر هذه المياه في مجرى عريض من الاسمنت المسلح يبلغ عرضه مترين وعمقه مترا ويزيد، وطول المجرى الحديث البناء مئتا متر تقريباً. تقع وسط المجرى عبارة من الاسمنت تؤدي الى ساحة واسعة حيث يمر من امام الطاحونة القديمة جنوباً مجرى يندفع من الجهة الغربية من البركة ثم يتجه شرقاً ويصب في المجرى الرئيسي(1)يرتوى من هذا المجرى الحيوانات الاليفة كالبقر والجمال والحمير والخيول.

2 – تقع ثاني مجموعة الينابيع في حارة الكابري، تبعد عن ينابيع عين العسل مئتي متر. تتفجر في قبو تحت منزل ابو طه علي عيد، يُسمع هدير تفجرها في خشوع الليل، وفي العصر الهيليني (اليوناني) ق.م بني بعض قنوات المياه حتى مدينة عكا(2) وجدد هذا المشروع الحيوي احمد باشا الجزار والي عكا 1775- 1804 اذ جُرت المياه اليها بقناة. اعاد بناءها ووسعها زمن خليفته سليمان باشا العادل، وقد دمرتها جيوش نابليون، وزاد عدد الاسابيل ( جمع سبيل) في المدينة وفتح الاقنية وبنى الطوالع لدفع المياه من قرية الكابري الى عكا عام 1814(3) وفي قرية الكابري نبع صاف يسيل في قناة الى عكا ويمر في قناطر بناها احد ولاة الاتراك من اجل ذلك سُمّيت قناة الباشا(4). وعندما كان الليل يرخي اسداله المظلمة كانت تنبعث من المياه موسيقى صخّابة تمحو وحشة الليل البهيم، يتناغم مع حفيف اشجار البساتين المحيطة بالقرية كالسوار في معصم الحسناء، كانت تتراقص الاغصان النّديّة مع هبات النسائم المشبعة بأريج الزهر . كان وادي القرن يقع شمال القرية الذي يفصلها بالاضافة الى الجبال اللبنانية عن "يارين" القرية اللبنانية المحررة بدماء وارواح مُجاهدي حزب الله والمقاومة اللبنانية ، والتي تبعد مسيرة ساعتين، وتروى مياهه بساتين " المنوات " ثم يصب في البحر المتوسط.

تترامى شرق القرية البساتين الخيرة، ترتوي من مياه جعتون، تتبارك هذه الهضاب الشرقية والمنحدرات فضلاً عن البساتين بكروم الزيتون والتين والمشمش وعرائش العنب بشتىاشكالها والوانها وانواعها وحلاوتها.

تحيط بالقرية من الجنوب ومن الغرب ومن الشرق بساتين الحمضيات على انواعها، والرمان والمشمش بالوانه ولذيذ طعمه وشهي مذاقه فضلاً عن زراعة الخضار  كالبندورة والباذنجان والفلفل والكوسى والقرع والبامية والشمندر والبطاطا والقلقاس وقصب السكر...

تترامى غرب القرية سهول ككف العذراء، ومروج زراعية خضراء، تنتصب فيها اشجار الزيتون والحمضيات في البيارات واللوز في المرتفعات وتتوشم بانواع الازهار والرياحين وزنابق الحقول في اشهر الربيع. وبالاجمال فان مساحة اراضي الكابري مع اراضي ترشيحا 47.428 دونماً(1).

هذه التربة الخصيبة كالحناء، والمياه السلسبيل والنسائم العليلة البليلة والسواعد المفتولة التي تشق التربة بجهد جهيد وترويها بالعرق الغزيز تمنح الفلاح خيرات وفيرة وتشرح صدره وتملأ قلبه حباً وحناناً مما يشيع في نفوس الاهلين وفي معاملاتهم الكرم وقرى الضيف، الايثار والإلفة، التعاون والمشاركة في السَّراء والضَّراء، يوسعون صدورهم وقلوبهم للوافدين من اقاصي فلسطين ومن ديار العرب : مصر، المغرب العربي، سوريا، السودان، اليمن، ومن لبنان يعبرون شعاب الجبال ومسالك الوديان. كانت الكابري موئل الشريد وملاذ الطريد ومقام المبهور يردون مواردها ويستسيغون مذاق فراتها ويرتاحون في رحابها، يجاهدون في الاعمال الزراعية بعشق اكنافها يجنون نعماءها ويعيشون في احضان ساكنيها تأهيلاً وترحيباً ويُردِد اهلوها في افراحهم: "ميتنا عين العسل شرب الافنديا".

هذه القرية الوديعة كأنها قطعة من جنات عدن تجري من تحتها الانهار، ترتادها الحور العين كأمثال اللؤلؤ المكنون. يطفئ الولدان حر القيظ في الصيف بالاستحمام في مياهها المنعشة، ويسبح السنونو والاوز والبط يلمع الريش المبلل تحت اشعة الشمس كما تتلألأ حبات الجمان في الانوار المشعة.

تشهد السيدة المؤمنة اليشرطية في كتابها:" كان اخي وسيدي ابراهيم اليشرطي يقضي قسماً كبيراً من اوقاته في زاوية الكابري لانه كان يميل بطبعه الى حياة البساطة وحياة القرية، ثم كان يرغب في الاشراف علىادارة املاك الزاوية وزراعة اراضي الوقف الشاسعة. كان اخي اميناً على الطريقة ومصالحها، فالاذان كان يُرفع في اوقاته الخمسة في الزاوية حيث كانت تُقام الصلاة في وقتها بعد الاذان، وكانت ليالي رمضان يحييها المريدون بالصلوات والعبادات وحلقات الذكر والاناشيد الصوفية الى ساعات متأخرة من الليل"(1).

كان اقتصادها يعتمد على الزراعة وعلى تربية الحيوانات، وكان ما مجموعه 743 دونماً  للحمضيات و14.056 دونماً للحبوب و 540 دونماً غُرست زيتون(2) وفيها مدرسة ابتدائية حديثة البناء ترقد على كتف هضبة مطلة شرق شمال القرية، كما كان فيها كُتّاب الشيخ شاكر الجشي في منزله.

في الاول من شباط عام 1948م قامت وحدة صهيونية بتفجير منزل فارس افندي سرحان زعيم شمال فلسطين، في القرية. وكان يرتبط بتحالف مع مفتي القدس الحاج امين الحسيني، وبعد هذه الهجمة السريعة والانسحاب عمد سكان القرية الى ايقاف حركة المرور لليهود على الطريق العام من نهاريا الساحلية الى قلعة جدين الجبلية حيث يرقد في احشائها ثلة من الصهاينة. وفي 28 آذار نصب سكان القرية كميناً لثلاث عربات مدرعة تواكبها قافلة عسكرية، وهي عملية رفضت وحدة جيش الانقاذ العربي ان تشارك فيها في البدء، وبينما استمرت المعركة وشارف سكان القرية على الانتصار شاركت عناصر من جيش الانقاذ فيها. قصف الجيش البريطاني القرية وموقع المعركة في الريس". وفي 18 كانون الثاني 1949م بوشر ببناء كيبوتس شمال القرية المدمرة في موقع "الدهرة" أطلق عليها "كِبري" وبُنيت مستعمرة جعتون 1948م وبنيت مستعمرة "معونا" 1949م" وعين يعقوف" 1950 شرق الكابري وفي 1948م بُنيت مستعمرة كفار "فراديم" جنوب غرب الكابري(3).

ولم يبق من القرية سوى اطلال عفا عليها زمن الاغتصاب والهجران بغطيها الشوك واشجار مختلفة كالسنديان ، يعشش فيها البوم والخفاش والجرذان وتنعق في اجوائها الغربان.. فمتى يا ناصر المستضعفين يستنهض الاحفاد ليمحوا عار النكبة والاذلال ويجددوا بطولات الاجداد الشجعان.

5 – الأعلام الدينية والأعلام الدنيوية في القرية

          كان في رحاب القرية اعلام ثلاثة منها الدينية ومنها الدنيوية منذ العهد العثماني وولاتها الاقطاعيين. تمثل هذه الأعلام اقطاعاً سياسياً دنيوياً جبرياً او تمثل اقطاعاً دينياً صوفياً توحيدياً او كانت مقراً لرئيس وقائد جيش امارة عكا علىعهد عبد الله الجزار واليها.

1 – الزاوية اليشرطية الشاذلية: علم من اعلام الصوفية الاسلامية، يسلك المؤمن طريقها على صدى اذان التوحيد، وتحضن الزاوية متجرديها ومريديها وهم اهل تقوى وورع وتدين، "سيماهم في وجوههم من اثر السجود، " وعمال كادحون حسب قدراتهم وتخصصاتهم ورغباتهم، لا سيد ولا مسود، وهم امناء على الانعام ونِعَم اوقاف الزاوية الشريفة.

2 – صرحاً آل سرحان : علم من اعلام الاقطاع السياسي منذ العهد العثماني، نالت العائلة من الحكم العثماني رتبة الافندية. كان للصرحين ديوانان(1)ً يعجّان بوجهاء المنطقة وزعمائها ومشايخ العشائر ومخاتير القرى. شهد ديوان فارس افندي سرحان عدة اجتماعات برئاسة سماحة مفتى فلسطين وبحضور وجهاء وفعاليات وقادة احزاب وجمعيات لوائي الجليل الغربي والشرقي ومدن الساحل ابان بروز الاطماع الصهيونية في فلسطين.

3 – دور آل توسيز في الريس غرب مقبرة الكابري على طريق قرية الغابسية. منح والي عكا عبد الله باشا الجزار 1818 المنطقة لقائد جيشه احمد بك توسيز، وهو من المماليك ومنحه لقب "البيك" بعد ان هربت العائلة المذكورة من مصر زمن محمد علي الكبير الوالي من قبل العثمانيين. لجأت هذه العائلة الى عكا وقتئذٍ، وبعد حين تصاهرت هذه العائلة مع شيخ الطريقة اليشرطية ومؤسسها. منح الوالي هذه العائلة المذكورة الاراضي التي تروى بمياه ينابيع الكابري حيث استقرت في خراج القرية وبنت دوراً جنوب غرب القرية سُمّيت دور "الريس" وهي تحريف لكلمة "الرئيس". كما اسسوا على مجرى الينابيع مطحنة تسمى "مطحنة الريس" .وقد آلت معظم هذه الممتلكات الى عائلة اليشرطي الشاذلية عن طريق المصاهرة.

أ – العَلم الديني الصوفي في القربة

          أسس الطريقة اليشرطية الشاذلية الشيخ على نور الدين حسن الشاذلي المغربي. ولد في مدينة بنزرت (تونس) عام 1796 وينتسب الىالحسين بن علي رضى الله عنه. كان وحيداً لابويه. تعلم على علماء بلده وعمل مدرساً في جامع الزيتون في تونس. اخذ الطريقة الشاذلية  عن الشيخ المداني. جاور في المدينة المنورة اربع سنين؛ وادى فريضة الحج اربع مرات ثم رجع الى مصر، ومن الاسكندرية سافر بحراً الى فلسطين لزيارة المسجد الاقصى لكن القدر قاده الى عكا فاتخذ جامع الزيتونة مقراً في عام 1848م(1).

          وفي الصفحة الخامسة من كتاب"مواهب الحق" تقول السيدة فاطمة اليشرطي: " ولما دخل مدينة عكا اقبل الناس يدخلون في طريقته افواجاً وزمراً تجذبهم رائحة العطر المحمدي ويسكرهم شذا معناه فينقلهم من الظلمات الىالنور بإذن الله. وكان منهم اعلام علماء من أئمة الشرع الشريف، حتى ان خليفة المسلمين- السلطان عبد الحميد خان، الملك العثماني التركي تشَّرف الى طريقتنا اليشرطية الشاذلية ".

          ادى كثرة اقبال الناس عليه وازدياد عدد مريديه واتباعه الىخشية الحكومة العثمانية فنفاه والي دمشق الى جزيرة رودس 1851 . وبعد ان امضى احدى وعشرين شهراً في المنفى اطلق سراحه السلطان عبد الحميد ايماناً منه في الطريقة المحمدية. توفاه الله عام 1899م بعد ان جاوز المائة عام. قضى حياته في طاعة الله والمداومة على العبادة . له قبر في عكا يزار(1). تقام في الزوايا حلقات ذكر صوفية. بوشر ببناء الزاوية الشاذلية في عكا على عهده، كما بني زاوية في ترشيحا واخرى في الكابري، خلفه ابنه الصالح الشيخ ابراهيم، امضى حوالي ثلاثين عاماً في مشيخة الطريقة حتى توفي عام 1928.

          وتقول السيدة فاطمة اليشرطي:" كان اخي الشيخ ابراهيم اليشرطي مثالاً للقائد الموجه والامام الصالح وكان ورعاً. وقد ذكر الشيخ محمد الهادي اليشرطي لعمته السيدة فاطمة انه كان يرافق والده الشيخ ابراهيم الى قرية الكابري ليقضي فيها بعض الوقت في الزاوية الشاذلية(2)

          خلفه ولده الشيخ محمد الهادي اليشرطي الذي ولد عام 1900 تلقى علومه في المدرسة الاحمدية في عكا، وكان له نفوذ عظيم وكبير في شتى الميادين والمحافل الاجتماعية. انتقل مع عائلته الكريمة بعد نكبة (1948) الى بيروت وتوفي فيها، رحمه الله ثم نُقل جثمانه الى مدينة عكا حيث دفن الى جانب والده وجده.

            خلفه الشيخ أحمد اليشرطي وهو الأبن الأكبر للشيخ الراحل درس المحاماة، يحتل مركزا مرموقا بين أتباعه وفي كافة المجتمعات، يتمتع بأصالة الأخلاق ورفيع الصفات ومركزه الحالي في مدينة عمان (3) . يزور لبنان بين الحين والآخر يتفقد أبناء الطريقة في الزاوية الجديدة جنوب بيروت ( خلدة) .

          عندما كان الشيخ الجليل المؤسس في تونس اعتزم القيام بسياحته الى الحجاز، خيّر زوجته التونسية الثانية بين انتظار عودته أو اللحاق به حيث يستقر مستقبلا أو طلاقها، اختارت الطلاق وتزوجت رجلا من أهل تونس، تركت ولديها ابراهيم وخوجية في حضانة شقيقتها الكبرى (4) .

          ولما عاد الشيخ من منفاه في رودس اقترن بالأرملة السيدة خديجة كريمة أحمد بك توسيز ورزقها الله ولدين هما محي الدين وجمال الدين الذي توفي وله من العمر سنتان . منح الشيخ علي نور الدين اليشرطي بعضا من حصة جمال الدين الى المرحوم جوهر أحد مرافقيه ومن اتباعه المريدين الخلَّص (1)  . عاش السيد محي الدين الى أن بلغ الخامسة والعشرين من عمره، توفي بعد أن ترك بنتا هي السيدة انيسة اليشرطي (2) .

          بعد وفاة السيدة خديجة توسيز اقترن رضي الله عنه بوالدة السيدة فاطمة اليشرطي، واسم امها رتيبة توسيز كريمة السيد مصطفى احمد توسيز شقيق السيدة خديجة المتوفاة. جمعت السيدة رتيبة المؤمنة بين جمال الخلْق والخلُق وبين الصفات الأنسانية الرفيعة علاوة على ملء الراح بالمال (3).

          عندما جاء الشيخ ابراهيم واسرته  من تونس الغرب الى عكا، حضنت السيدة رتيبة ابنتيه ناجية وخيرة الله لأن والدتهما مغربية لا تستطيع تنشئتهما على تقاليد بلادنا. رزق الشيخ الجليل من السيدة رتيبة غلام سمي (محمد جلول)، توفي وعمره سنة واحدة، ثم رزق بأنثى سميت فاطمة اليشرطية وبأنثى ثانية سميت مريم.

          تقول السيدة فاطمة اليشرطي: " كنا نصعد الى بلدة ترشيحا، وهي بلدة جبلية تبعد حوالي 24 كليومترا الى الشرق الشمال من مدينة عكا لنقضي فيها أشهر الصيف. كنا نصل أولا الى قرية الكابري حيث الزاوية في عربة تجرها الجياد الأصيلة وصولا الى زاوية ترشيحا (4) . وتتابع قولها في غير موضع: " لا يزال بي حنين الى تلك الأيام التي قضيتها في رحاب الزاوية مع باقي المريدين والمريدات كبارا وصغارا، نسمع اي الذكر الحكيم والمدائح النبوية والأناشيد الصوفية تتردّد بين جنبات الزاوية سواء اكان في حلقات الذكر ام في مجالس الأنس بالله في التكيّة. (5)

          بعد وفاة السيد محيي الدين ابن السيدة خديجة توسيز وُلدت له طفلة دعيت (أنيسة) كفلها جدها الشيخ علي نور الدين وزوجته السيدة رتيبة منذ ولادتها، نشأت على التقى والصلاح وحب فعل الخير كما ورثت عن جدتها رتيبة ثروة كبيرة انفقت معظمها على المحتاجين، ولها فضل كبير بتعليم جماعة من اخواننا الشاذليين في الأزهر. تزوجت هذه السيدة الفاضلة من ابن عمتها السيد حسن اليشرطي (والدته خوجية المتوفاة في بنزرت) ورزقت أربعة أولاد توفاهم الله وقد الهمها الله جل جلاله الصبر والسلوان (1) .

           كان لكل فقير في الزاوية عمل يؤديه، على قدر حاله، غير مفروض عليه، ولكن بالتعاون والتّواد والرحمة. الكل سواسية ، لا رفيع ولا وضيع، العارف والعاِلم يربي الأمي والعامل والفلاح والمزارع. يجتهد العارف والعالم يتثقيف الجميع الثقافة الروحية، والكبير يعطف على الصغير. كان الأمام والواعظ والمؤذّن والمنشد والمقرئ في الزاوية من اخواننا المنتسبين الى الطريقة الشريفة. كانت هذه الأعمال تعتبر جزءا من العبادة الخالصة لوجه الله تعالى.

          ورث الشيخ الجليل علي نور الدين اليشرطي عن أبويه ثروة كبيرة في تونس فخرج عنها الى الله ورسوله. وفي فلسطين ورث عن زوجه السيدة خديجة توسيز ربع مالها بعد أن انفقت معظمه في خدمة الطريق وابنائه وانشاء الزوايا، كما قدم مريدوه ثروة (أوقاف الأراضي)، أوقف قسما منها لزاوية ترشيحا وآخر لزاوية الكابري وثالثة لزاوية عكا. أمر قبل انتقاله الى دار البقاء أن يرد ما تبقى منها الى الإخوان في الطريقة الشريفة. وكان الشيخ من الزاهدين حيث يقول : " نحن ما جئنا الى هذه البلاد لنعمّر أحجارا، جئنا هنا لنعمّر قلوبا ".(2)    

          لم يجعل الشيخ المؤسس أمر تولية الزوايا لأولاده من بعده، وانما اختص كل أهل بلدة أو قرية بالتولية على الزاوية التي هي فيها. ولم يجعل تلك الزوايا مرتبطة بزاوية عكا بل لكل واحدة استقلالها التام (3). هذا يعني ان املاك زاوية الكابري ليست ملحقة باملاك زاوية ترشيحا او بزاوية عكا.

          كان لزاوية الكابري الأراضي الزراعية الواسعة( الاوقاف) كما كان لأفراد العائلة الشريفة بساتين واراضي زراعية خاصة. وللزاوية معصرة زيتون وزرائب للبقر والماعز والجمال، يقوم المريدون بواجبات الفلاحة والزرع والحصاد.

          تروي السيدة فاطمة اليشرطي بعض ذكرياتها فتقول: " وفي ذات يوم ذهبت السيدة عائشة الى دمشق وهي التي كانت تعلمني قراءة القرآن الكريم، وكنا (العائلة) في قرية الكابري في الزاوية الشريفة كان الفصل ربيعا، ولا أزال أذكر كيف كنا نخرج الى الحدائق والمروج الخضراء نجمع باقات الزهور وزنابق الحقول ذات الرائحة الذكية." (1)

            كانت الزاوية تعج بالمصلين أيام الأعياد الأسلامية من جميع شرائح القرية، يفد اليها الرجال والفتيان يتحلقون حول الشيخ الجليل. كان خارج الزاوية ( دكّة) على طول حائط الزاوية الجنوبي حيث يجلس الشيخ الوقور ومن حوله يجلس ضيوفه والمتجردون، يوجد دكة ثانية بجوار حائط منزل يوسف شحادة صبيح من جهته الشرقية، ومكان ثالث على طول درج التكيّة اي قاعة العبادة من جهة الغرب. كانت هذه الأماكن تكتظ بالرجال والشباب يصغون لدروس الشيخ الجليل الدينية والخلقية والأجتماعية والدنيوية.

          كانت رقعة القرية تتسع بصورة مضطردة بسبب توافد عائلات الى الزاوية . كانت العائلات المستجدة إمّا من المتجردين أو المريدين أو المحبين العاملين سنوات في أوقاف الزاوية ثم يبنون منازل خاصة بهم بمساعدة القائمين على ادارة شؤون الزاوية وأملاكها بتوجيه وكرم شيخ الطريقة. ومن هذه العائلات المستجدة: آل جوهر، آل عبد الرحيم البشير المغربي، آل يوسف القاضي، آل مصطفى أبو ريشة، آل قاسم ياسين، آل المصري، آل خطّار، آل أبو اسعيد، آل غالي، آل الشامي، آل زمزم، آل ستر الله، آل عبد المالك، آل الطايع عبد الله، آل خليل الريمي، آل الطلوزة، آل عجاج، آل ايوب الحلبي وعبد الكريم الطوباسي.

          يروي الحاج خالد الزعزوع ما يلي: كان الشيخ توفيق سمارة من ترشيحا إماماً في زاوية الكابري بعد رحيل الحكم العثماني حيث كان ضابطا في الجيش التركي وقاضيا شرعيا، ولما دالت دولة بني عثمان صار الشيخ المعني يعقد قران الزواج وينظم عقود بيع العقارات وتسجيل المواليد والوفيات. مات الشيخ في زاوية الكابري وهو في طاعة الله، اشترى منزله الكائن بجوار منزل فارس سرحان، المرحوم رشيد الناصر ابو حسين. ويتابع الحاج روايته بالقول كان المرحوم عبد الرحيم البشير صاحب الصوت الرخيم يقرأ السيرة النبوية وينشد الأناشيد الصوفية في الزاوية. تزوج من زكية نايف افندي سرحان.

          ومن العاملين في أملاك وقف الزاوية في الكابري: آمان من إفريقيا، كان ناطور بستان الدلبي للزاوية، كانت انامله تداعب المزمار (الشبابة) فيطرب السامعون وتهتز مشاعرهم وينطلق صاحب الصوت الرخيم بالغناء. توفي عازبا ودفن في مقبرة الكابري. أحمد السطل من كامد اللوز البقاع. سليمان الطوباسي من طوباس فلسطين. سيدي غنم من حلب. علي حمدي وسعيد الحاج من ام الفحم فلسطين وآل طلوزه.

           يروَى عن انسانية الشيخ علي نور الدين اليشرطي أنه ذهب الى مدينة القدس لزيارة المسجد الأقصى، دعاه أحد مريديه وهو من اعيان المدينة الذين تلقوا الطريقة، كانت في بيته جارية يمنية لها طفل صغير مريض لا يتجاوز العام الثالث من العمر يدعى (جوهر) . قدّم صاحب البيت (جوهر) رفيقا لأبن الشيخ الجليل (محيي الدين). نشأ جوهر في رحاب زاوية ترشيحا تحت كنف الشيخ الجليل. لما بلغ هذا الطفل مبلغ الرجال زوجَّه الشيخ ووهبه قطعة أرض وكرم زيتون وبيتا صغيرا في قرية الكابري. عاش جوهر متفانيا في حب شيخه وفي خدمة الطريق وأهلها. كان يفصح جوهر عن نسبه قائلا: " كفاني فخرا أنني أعتبر نفسي خادما للشيخ علي نور الدين اليشرطي ، فهو أبي وأُمّيِ وأهلي وعشيرتي" (1). كان أهل الكابري ينادونه (جوهر اليشرطي) .

ب – عَلَم الزعامة الدنيوية والسياسية(2)

          تمتاز بلدة ترشيحا بموقعها الجبلي الصحي بين عكا وصفد. تبعد اثني عشر كيلو مترا عن الكابري شرقا. انحدرت عائلة آل سرحان من هذه البلدة، وقول آخر انهم انحدروا من صفد الى الكابري. شغل كبيرهم المرحوم محمد افندي سرحان منصب متصرفية صفد مدة طويلة(3) اقترن بالسيدة خشفة بلقيس من سكان قرية الكابري بعد وفاة زوجته الاولى. ويؤكد كبار السن من عائلة بلقيس انها انحدرت من صفد من عائلة (الكَبْرَى) والتي سُمّيت الجدة (بلقيس) .هذه العائلة كانت اولى العائلات التي بنت دورها في الكابري بعد رحيل العمال المصريين.

          كان للسيد محمد سرحان مكانة عظيمة أيام الحكم العثماني شأن الاسر الاقطاعية التي نالت حظوة عالية لدى ولاة بني عثمان وامرائها المحليين سواء في صفد او عكا او صيدا ايام حكم الولاة الاقطاعيين امثال الظاهر عمر واحمد باشا الجزار وسليمان العادل وعبد الله الجزار الذي اعتقله ابراهيم باشا اثناء حملته عام 1832 والذي انتهى حكمه عن عكا عام 1840 ثم عاد الى مصر(1). عين السلطان العثماني عبد المجيد عام 1840م متصرفا عثمانياً على ادارة سنجق عكا. وفي سنة 1860 بدأت الحكومة العثمانية ( الباب العالي) باستصدار سندات الطابو لجميع اراضي الدولة العثمانية.

          وفي سنة 1880 عينت الحكومة العثمانية ممثلين عن الطوائف غير الاسلامية في مجلس ادارة "سنجق عكا" ويرئس المجلس متصرف عثماني. يضم المجلس رئيس الطائفة المارونية يعقوب افندي وعن الطائفة الارثوذكسية من آل خمار والثاني حبيب ملكي كان أعضاء المجلس من المسلمين سبعة. وفي مجلس عكا البلدي، كان الاعضاء المسيحيون هم : جبور قرداحي، يعقوب غطاس، ناصر صيقلي، راجي صيقلي، نقولا حوا والياس مدور(2).

          امتلك آل صيقلي بستان الليمون والبرتقال جنوب قرية الكابري كما امتلك آل العفيفي من عكا كرم الزيتون شرق القرية وقد اشترت الزاوية الشاذلية بستان الصيقلي وكرم زيتون العفيفي. وهبت عائلة العفيفي من عكا للزاوية الشاذلية كرم الزيتون شرق الكابري؛ حيث كانت تنعقد احتفالات الاعراس في القرية.

          عَوْدُ على بدْء السيد محمد سرحان من سُراة بلدته ترشيحا ومحيطها، تخرج من مدارس استنبول ثم ترقى في الوظيفة التي شغلها حتى نال منصب متصرفية صفد. يذكر رواة الكابري بالتواتر انه امتاز بشباب غضّ ولسان عذب وخلُق رفيع، ونظر ثاقب، يمتطي جواداً مطهماً ومن حوله حراسه المسلحون والفلاحون والمزارعون العاملون في عقاراته يرحّبون بموكبه(1). بينما كان يقصد قرية الكابري يتفقد اراضيه او يستريح اثناء سفره من صفد الى متصرف سنجق عكا لاغراض ادارية وظيفية فُتن بفتاة تنامى جمالها ملء مسامعه. ولربما ارسل رسوله لزيارة كبيرة عائلة بلقيس (والد الفتاة) في مجلسه يرتشف فنجان قهوة عربية. ولا شك ان آل بلقيس عائلة وافرة الثراء تمتلك الاراضي الفسيحة في اكناف القرية وسهلها، تسرح انعامها في نعيم مرتفعاتها وهضابها. بعد زيارات عديدة اقترن بالعروس خشفة عمة حسين مصطفى بلقيس واسعد مصطفى بلقيس والعبودة مصطفى بلقيس. ولفرط ولعه بالغادة الحسناء نقل سكناه من صفد الى الكابري. بنى داراً واسعة و"بايكة" تأوي الحراثين وعائلاتهم وفدادينهم والبغال والحمير والجمال ومخازن التبن والحبوب. سُمّي فيما بعد بحوش آل ناصر الحصري.

          كان السيد شحادة بدر مشهوراً بتربية الانعام من ماعز وغنم وبقر وجمال، ويعتبر في قريته ميسور الحال، بني في غابر الايام داراً واسعة ذات رونق وجمال، استأجرها الافندي بناء لرغبة والدي عروسته ريثما يبنى لها قصراً شامخ البنيان يليق بمقامه ويستهوي عروسته. رُزق الافندي ثلاثة صبيان : عاطف ، نايف وحسين من الزوجة الاولى كما رُزق فتاتان : دنيا وكفينا من السيدة خشفة بلقيس، وكلهم ورثوا جمالاً وبهاء ذكوراً واناثاً . اقترنت كفينا من السيد رشيد آغا ذي الحسب والنسب ومن علية القوم في ترشيحا. نقل سكناه الىالكابري وانجبا ثلاثة ذكور: فوزي، خالد واحمد، وانثى فوزية. تولى عاطف افندي امور ادارة اعمال والده وزراعة الاراضي والعناية بالماشية، ورث عن ابيه الزعامة وركوب الخيل والقول الفصل في المنازعات، كان يتصدر مجلسه المهيب، ورجاله الكثر من حوله، اينما حل وحيثما ارتحل، لا تنطفئ نار مطبخه ولا تذوب جمرات اباريق القهوة العربية، ولا توصد ابواب الضيافة ليلاً او نهاراً. كان وسيم الطلعة، سامق الهامة، عريض المنكبين، قوي البنية، شجاعاً ومقداماً، يتسم بالشباب الحيوي والطلة المشرقة والنبرة القوية: تزوج ثلاثاً: الاولى : نظلي من ترشيحا ورزق ولدان هما : فوزي وتوفيق، تزوج ثانية، مريم شبلي من اقرت وهي
 

(1)  كي لا ننسى مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 491، وليد الخالدي.

(1)  كي لا ننسى ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية وليد الخالدي صفحة 492.

(1)  سورة التوبة آية (35).

(1)  شاب في العقد الثاني من العمر من بدو السلط، سامق الطول، عريض المنكبين واسمر البشرة. ادعى انه وحيد أبويه. كان والده شيخ قبيلة في نواحي السلط. ترك خطيبته وحصانه وتطوع في الجيش العربي لتحرير فلسطين. اعتاد ان يزور والدي مساء كل ليلة يحتسي القهوة السادة وكوباً من الشاي. كان صامتاً ومستمعاً للجلساء في السهرة. مساء منتصف ليل اول ايار سنة 1948 ولج الديوان وهو حائر يتأفف وعلامات الاضطراب بادية على وجهه. قال له والدي: يبدو انك مضطرب وقلق يا متروك. افصح عما تعاني علني اساعدك . أجاب: راسي تؤلمني. لكني يا شيخنا اذا حصلتُ في الايام القادمة على اجازةة ، اتمنى ان تلبي طلبي وترافقني الى بلدنا معززاً مكرماً وتتعرف على اهلي ثم نعود بعد انتهاء الاجازة اجابه والدي: صحتي يا متروك لا تساعدني على الخروج من بيتي .. انصرف من الديوان ووعد انه سيعود فيما بعد. ورحل عن الكابري ولم يعد اليها، ومن ثمة وقعت القرية في شراك الصهانية.

 

(1)  معجم بلدان فلسطين محمد محمد حسن شراب ص 614.

(2) كي لا ننسيى وليد الخالدي ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 491.

(3)  نفس المرجع.

(4)  عكا تراث وذكريات – بوري وشبل ص 58.

(5)  كي لا ننسى، وليد الخالدي. مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 491.

(1)  كي لا ننسى ، وليد الخالدي مؤسسة الدراسة الفلسطية 491.

(2)  معجم بلدان فلسطين ، محمد محمد حسن شراب ص 614.

(3)  كي لا ننسى، وليد الخالدي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 491.

(1)  غير الصهاينة معالم القرية فأزالوا البركة ومجرى الماء والطاحونة وجروا المياه تحت الارض.

(2)  كي لا ننسى – وليد الخالدي مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 491.

(3)  عكا – تراث وذكريات بوري وشبل ص 21.

(4)  رحلة الى الحق – فاطمة اليشرطية الحسنية ص 212.

(1)  عكا تراث وذكريات ، شبل وبوري ص 58،

(1)  مسيرتي في طريق الحق، السيدة فاطمة اليشرطيص 220.

(2)  كي لا ننسى ، وليد الخالدي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص 492.

(3)  المصدر السابق.

(1)  ديوان عاطف محمد سرحان وهو اول صرح لآل سرحان ثم بنى نايف محمد سرحان صرحاً آخر فيه ديوان فارس نايف محمد سرحان عائلة الافندية.

(1)  مسيرتي في طريق الحق ، فاطمة اليشرطي ص 218.

(1)  يسمى المشهد في زاوية عكا. يحضن المشهد ثلاثة اضرحة: ضريح الشيخ المؤسس وخليفتاه ضريح الشيخ ابراهيم ولده وضريح الشيخ محمد الهادي اليشرطي حفيد المؤسس وابن سلفه.

(2)  مسيرتي في طريق الحق فاطمة اليشرطي ص218.

(3)  عكا تراث وذكريات بوري وشبل ص 24.

(4)  رحلة الى الحق فاطمة اليشرطية ص 338 .

(1)  من الروايات المتواترة على شفاه كبار السن من أهالي الكابري .

(2)  رحلة الى الحق، فاطمة اليشرطي ص 339 .

(3)  مسيرتي في طريق الحق ، فاطمة اليشرطي ص 210 .

(4)  المصدر السابق.

(5)  المصدر السابق.

(1)  رحلة الى الحق، فاطمة اليشرطي ص 245 .

(2)  المصدر السابق.

(3)  المصدر السابق ص 362 .

(1)  مسيرتي في طريق الحق، فاطمة اليشرطي ص 245 .

(1)  رحلة الى الحق (بتصرف) السيدة فاطمة اليشرطي ص 287

(2)  المعلومات الواردة عن آل سرحان مستقاة من روايات كبار أهل الكابري وليست من مخطوطات.

(3)  ترشيحا زهرة على صدر الجليل، محمد ناصر ص72 اولى، دار التقدم العربي.

(1)  عكا تراث وذكريات، بوري وشبل، ط ثانية ص 22.

(2)  المرجع السابق ص 35 .

(1)  شهادات شهود عن طريق النقل بالتواتر مثل ابو موسى مصطفى بلقيس وابو رشيد عثمان الجشي عن والديهما.

نصرانية ورزق فاطمة. تزوج اخيراً ثالثة نورة مصطفى فاعور من قبيلة السمنية ورزق : علي، محمد خير وعلياء.

          اقترن السيد فوزي رشيد آغا من فاطمة عاطف افندي سرحان، ابنة خاله، فتوطدت وشائج المصاهرة والحسب والنسب. اقترنت دنيا كريمة محمد افندي سرحان بالسيد حميد آغا من اعيان مدينة صفد واهل علم وثراء رزقا المحامي جمال الحاج حميد واخته (مرود) التي اقترنت بابن خالها احمد نايف سرحان والذي كان رئيس بلدية الكابري يساعده اعضاء مجلس بلدي. كان محبوباً من اهل قريته جمعاً ، بشوشاً ومتواضعاً، يفتخر باهل قريته عامة، ويعتبر آل بلقيس اخواله، كما كان مثيله فوزي افندي رشيد آغا في ودّه وتقربه من آل بلقيس، كان قلب المحامي جمال الحاج حميد آغا يطفح حباً والفة لاهل الكابري خاصة، وكان يردِّد اخوالي آل بلقيس اعزاء على قلبي . كانت اخته مَرْوَد زوج احمد افندي سرحان تردّد قولها:"اخوالي آل بلقيس احبائي ينشرح صدري لكبيرهم وصغيرهم، لذَكَرهم وأنثاهم".

          اقترن السيد فوزي عاطف سرحان من السيدة سعدى الجشي من ترشيحا ولم يُنجبا، كما اقترن توفيق عاطف سرحان اولاً من آل شاكر آل محمد (الكابري) ورزق ولدان وتزوج ثانية من ابنة عمه نايف سرحان ورُزقا اولاداً.  

          اذا ما واصلنا سلسلة مصاهرات آل سرحان نرى انهم كانوا يختارون انسباءهم من ذوي جباه عالية وجذور عريقة وأطيان شاسعة. فورثوا وتوارثوا الأراضي والعقارات، وورد موارد مجالسهم ( الديوان ) الشيب والشبان من مختلف أنساب وأحساب العائلات. ذاع صيتهم في طول البلاد وعرضها، يعرض أهلها مشاكلهم ويرهفون أسماعهم، يتنافرون حينا وأخيرا يتحابون، وحالما يغادرون مجالس العقد والحل تغشى امارات البشر والرضا الوجوه المشرقة.

          يروي كبار القرية بالتواتر : لما حصد الجراد الأخضر واليابس، وأتى على الزرع والضرع عام 1914 ثم أعقبه سفر برلك فالحرب الكونية الأولى عانت رعايا دولة الرجل المريض من مشارقها حتى مغاربها الفقر والمرض والجوع. لجأ أهل القرية الى دار محمد أفندي سرحان الرجل الثري في زمانه يرهنون أراضيهم في القرية مقابل الطحين والحبوب، لسد رمقهم. كان لهؤلاء الأقطاعيين مطاحن على مجاري المياه التي استكسبوا استثمارها من ولاة بني عثمان. كان في حوزة السيد محمد سرحان سجل رهونات، عندما أقعدته الشيخوخة وقبيل وفاته أحرق هذا السجل خشية أن يستولي ولده نايف أفندي سرحان على معظم أراضي القرية، رحمة بفقرائها.

          كان قد تخرج نايف أفندي سرحان من جامعات تركيا، وعندما عاد الى قريته الكابري انتقل الى صفد وحل محل ابيه في متصرفية صفد وسنجق عكا. (1)

          اقترن السيد نايف سرحان بأربعة نساء: الأولى آمنة ابنة أحمد الصفدي من عكا والثانية من آل مصطفى من ترشيحا ورزق فارس أفندي، والثالثة من نجيبة القاضي من البقيعة، والرابعة أخت مجيد أبو خريبه من ترشيحا ورزق منها أحمد وزكية التي اقترنت بالسيد بشير عبد الرحيم مغربي، وهو من مريدي الزاوية الشاذلية في الكابري، وهي تعيش الآن مع ابنائها وأحفادها في غزة البقاع.

          لما أفل نجم الدولة العثمانية عن سماء الأرض العربية وحل الأنتداب البريطاني سلطانه على فلسطين عاد نايف أفندي الى قريته الكابري، بدأ ببناء دار جديدة لولديه فارس وأحمد. وقيل أنه كان يدفع أجر العمال قطعا ذهبية مصكوكة، وقد غادر الأفندي صفد وجعبته مليئة بهذه القطع المصكوكة.(2) 

          أمَّا الأبن الثالث للسيد محمد أفندي سرحان فهو حسين أفندي، توفي عازبا في بيروت على عهد الشتات. تخرج من كلية ضباط اسطنبول برتبة كجك ضابط في الجيش العثماني. كان يختلف عن أخويه وعن ولدي اخيه نايف، في طرائق تفكيره، وفي نهج حياته، وفي أسلوب تعامله وفي رنين نغم صوته. كان العوام يتحاشون التعامل معه، وكم أثار حفيظة شبان كحيلي الشوارب. كان يضيق الناس جمعاء ذرعا من أساليب الإستعلاء والعنجهية. يبادر مشايخ القرية فورا باخماد نار قد تشتعل من سوء التصرف والتي تؤدي الى فظاعة العواقب. وبالمناسبة كانت الزاوية الشاذلية ينبوع ومثال الإلفة والمحبة والمساواة، كان شيخها يطفئ نيران الفتنة  ويجهد في نشر الود والوئام ورفع الضيم وكبح الشرور والإعتصام بحبل الله وسنة رسوله.

          عاش على العهد العثماني رجل ضرير يدعى يوسف طه، وهبه الله تعالى مقدرة تعليم ابناء القرية تلاوة القرآن الكريم تحت ظلال خروبة خليل الحاج حسن. كان من بين الصبية فارس أفندي الذي يعتبره أترابه منذ نعومة اظفاره زعيم المستقبل، كانوا يقدّمونه منذ الصبا على أنفسهم ويفضّ منازعاتهم أثناء اللعب.(1)

          لما اشتد عوده أرسله والده الى مدارس اسطنبول يتلقى علومه مع ابناء العائلات المميزة ليصبح ذات شأن سياسي واداري على نفقة المبعوثين العثمانية ليصبحوا عونا ويدا وعينا لبني عثمان في ديار العرب. ولما صلب عود أخيه أحمد أفندي ألحقه والده بمدارس بيروت يتلقى العلوم العصرية.

          تزوج فارس أفندي سرحان من السيدة ديبه اسعيّد شقيقة الأخوين ديب وحميدي اسعيد لمشاركتهما في تربية الأبقار ورزقا (علياء) التي اقترنت بقريبها السيد خير عاطف سرحان، ثم اقترن فارس افندي بالسيدة ابتهاج كامل القاضي من قرية البقيعة وأنجب أولادا منهم نايف وباسم. اقترن السيد أحمد أفندي سرحان بالسيدة مَرْوَد كريمة السيد حميد آغا من صفد وأنجب ابناء منهم غازي.

          عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها أفلت شمس الدولة العثمانية عن بلاد العرب، حظيت الزعامات الفلسطينية العائلية خاصة الأقطاعية منها على رضى حكومة الإنتداب البريطاني. كانت عائلة آل سرحان في الجليل الغربي كغيرها من العائلات المختارة مقربة من السلطة الجديدة ولها الباع الطويل كغيرها في فلك الحكم الحديث. عينت بريطانيا هربرت صموئيل مندوبا ساميا على فلسطين. شكل لجان مساحة لأراضي فلسطين. همس السيد توفيق سمارة من سكان الكابري. وقد بلغ من العمر عتيا، كان موظفا في صفد ايام الدولة العثمانية ... همس في أذن أبو الفضل عبد مصطفى بلقيس قائلا له: " ان اراضي الشبايك والمحاشك والاراضي الفسيحة في نواحي سهل الكابري وكرومها الشرقية ملك لآل بلقيس في السجلات العقارية العثمانية، وهي ما زالت محفوظة في الدائرة المختصة في صفد، وقد استولى عليها ابو عاطف محمد أفندي سرحان عندما تزوج من خشفة بلقيس عمتك. والآن آن الأوان أن تستعيدوها حلالا."

          أجابه أبو الفضل بلقيس وكان طاعنا في السن:" صارت الشبايك والمحاشك بساتين مشجرة وأراضي السهل كروم زيتون، وشرق القرية كروم عنب وتين وزيتون، ثم ان آل سرحان انسباؤنا وأصحاب نفوذ على الصعيدين الحكومي والشعبي، ونحن اخوال ابنائهم، فضلا عن أن تسجيل العقارات مكلف ماليا وهذا ما نفتقر اليه وقد مضت سنون يشغلونها، ومن المؤكد، أو لعل ذلك، أن اصحاب الشأن الأوائل كانوا راضين بما حصل." (1) 

          لمّا بدأ القناع ينحسر كل غروب شمس عن خداع وتآمر الأنتداب البريطاني بدأت الخرساء تهتز تحت أقدام المستعمر، ربيب الصهيونية، انخرط فارس أفندي سرحان الرجل الهادئ والرصين، الناعم الملمس والباسم الثغر والخبئ المكنون، يعد كلماته كما لو ينقد قطعا ذهبية. انخرط في طلائع الزعامات الإقطاعية حيث تصدروا المواكب الشعبية الوطنية في انتفاضاتها العديدة، اختير عضوا في المؤتمر العربي الفلسطيني السايع واللجنة التنفيذية عام 1928(2). واختير، كذلك، عضوا في المؤتمر العربي القومي في بلودان عام 1937.(3) واختير، ثالثة، عضو في اللجنة القومية في عكا وعضو الهيئة العربية العلياعام 1948.(4)

          يُروى أن أهالي القرية كانوا يكنسون طريق الكابري ويرشونها بماء عين العسل بدءا من استراحة قاسم خطار حتى دار فارس سرحان، كان أحمد سرحان رئيس البلدية يزين منعطفاتها بصور الحاج أمين الحسيني عندما كان يزور الأخير الكابري من حين لآخر، كانت تستقبله كوكبات من مشايخ القرى الساحلية وترشيحا وما حولها حيث كان يعقد اجتماعات وطنية لكبّارة عائلات عكا وقرى الشمال في ديوان فارس أفندي سرحان. (5)

          وفي مطلع عام 1948 حمي وطيس المعارك، هجرت الطيور أوكارها من أزيز الرصاص، وبدأت تلوح في الآفاق طيور الغربان. نشر الزعيم الوطني شائعة بدأ رجال ديوانه يتناقلونها، مفادها: أن أوساط الثورة نصحته بالرحيل الى عكا خشية اغتياله اثناء غدوه ورواحه يومياً، وتسهيلا لانتمائه الى اللجنة القومية في مدينة عكا وقضائها عامي 1947 و1948 . كانت تربطه بالحاج أمين الحسيني صداقة شخصية. نزح قبل النكبة الى لبنان وأقام في بيروت حيث استمر في رعاية شؤون ابناء عكا وقضائها في مكتب الهيئة العربية العربية العليا في لبنان برئاسة المرحوم كمال حداد في شارع قريطم. بعد وفاة حداد تسلم رئاسة مكتب الهيئة العربية في بيروت وشارك في جميع نشاطاتها السياسية والاجتماعية حتى وفاته في العام 1984. (1)

          ولما استطار الشُّر في طول وعرض فلسطين، واستعرت النيران في الشجر والهشيم، وتطايرت شظايا الألغام والمتفجرات تحصد الأبرياء في الفنادق والسيارات، في أسواق الخضار والمدارس وفي التجمعات البشرية ، وقبل أن يغادر زعيمنا قريته الكابري باع بقره وأنعامه وجماله وخيوله وأوصد ديوانه قاصدا عكا يعيش مع عائلته في منزل الحاج رشدي، كما هاجر آل عاطف سرحان الديوان والارزاق الى ترشيحا ومنها الى بيروت. اثناء مرور الأيام السوداء تسللت زمرة صهيونية في ليلة عاصفة زرعت لغما في الزاوية الشمالية تحت داره في الكابري حيث المطابخ والحمامات، انهارت بعد دوي هائل سبقته رصاصات غادرة اردت ابا حسين رشيد الناصر شهيدا مخضبا بدمه الزكي. (2)

          كانت دور عاطف سرحان وفارس سرحان تعجّان بالرجال والمستزلمين والخدم والمزارعين والعمال والعاملات في المطبخ وفي الأراضي الشاسعة، كانوا يستخدمون نواطير الشبايك والمحاشك من الرجال المصريين ومنهم على سبيل المثال حافظ ومانع، اغتال حافظ زميله مانع وسد بجثمانه مياه جعتون تحت عبّارة الشارع العام شرق البيدر الشرقي فانكشف أمر الجثة وسجن حافظ.

          كان لرجال آل سرحان دور كبير في الأنتفاضات الفلسطينية، نذكر على سبيل المثال رجال الثورة بتوجيه من زعيم القرية السيدان الدليل وعيد فيراوي، الحاج محمد نمر حمّاد، ابو حسين علي مرجان وغيرهم الكثير، بنوا منازل في القرية وتملكوا الاراضي الزراعية. من رجالات آل سرحان ومناصريهم كذلك: بدو آل الحلوط، آل خضرا وآل ذيبان، بدو السويطات في جعتون، بدو السمنية، بدو الهيب المريدات، ومنهم الأخوان حميدي وديب شيخة وآل ابو خشب، وبدو الحميرات. كان من المهتمين بالخيول المصريان ابراهيم العبد والسيد العبد. كان أحمد طه يونس من حوران يعمل في أراضي فارس سرحان، وكان أحمد وردة الدقاق يخدم في المنزل مع الطبّاخات والمنظفات ونقل المياه على الحمير من عين العسل الى دار فارس افندي سرحان.

ج – علم الزعامة العسكرية

          مر معنا أن عائلة تو سيز من مماليك مصر، فرت منها على عهد محمد علي الكبير الألباني الأصل حاكم مصر آنذاك قاصدة مدينة عكا، كان الوالي عبد الله باشا الجزار من مماليك مصر ومستأثرا بولاية عكا سنة 1818 م بعد سليمان باشا العادل 1804 – 1814 م عين عبد الله باشا السيد احمد بك توسيز قائدا لجيشه.

          عندما زحف ابراهيم باشا المصري بحملته العسكرية لمحاربة الدولة العثمانية وتوحيد بلاد الشام مع مصر تحت حكم والده محمد علي الكبير استولى على مدينة عكا بعد حصار شديد. أدركت بريطانيا خطوة محمد علي التوحيدية على المصالح البريطانية، الأمر الذي حمل هذه الدوائر الرسمية على الأهتمام بالاستيطان اليهودي في فلسطين لفصل المشرق العربي عن مغربه. بدأت اساطيل الحلفاء الأنكليزية والنمساوية مع العثمانية وصيدا تهدّد ابراهيم باشا في عكا. (1)

          عندما صار احمد توسيز من أعوان عبد الله الجزار في مطلع حكمه أصبح هذا القائد العسكري ذا نفوذ كبير في نواحي فلسطين، تزوج من خزنة شريح من ترشيحا ورزق بالسيدة خديجة(2). تزوج منها يعقوب بك المصري الرجل الثري الكبير ثم مات بعد ثلاث سنوات.

          لما فتح ابراهيم باشا مدينة عكا قتل القائد أحمد توسيز كونه من مماليك مصر ونفى اسرته الى بلاد الأناضول. بدأت الأسرة تكتب الى صديق والدهم الحميم يعقوب المصري في الأسكندرية وكان صاحب نفوذ لدى الباب العالي ليسعى لهم عند ذوي الأمر حتى تلجأ الاسرة الى داره في مصر. بعد ثلاث سنوات تكللت مساعيه بالنجاح وحلت الأسرة في داره بمصر. اقترن بالسيدة خديجة توسيز ثم انتقل بها الى عكا وتوطّن فيها. أخذ يتعهد اخوة زوجه حتى تخرجوا من معاهد الاستانة وشغلوا وظائف رفيعة في فلسطين. توفي يعقوب بك في عكا دون أن يترك ذرية، ورثت عنه زوجه ثروة كبيرة: مالا وعقارا وأراضي زراعية وأراضي مشجرة. ثم تزوجت من الشيخ علي نور الدين اليشرطي وبذلت هذا الأرث في سبيل الله وخدمة الطريق وابنائه والسعي لأنشاء الزوايا اليشرطية الشاذلية،(1) ومنها زاوية الكابري لرعاية الممتلكات فيها، وبذلك انتهت الزعامة العسكرية لآل توسيز. ومعلوم  أن الكابري تتوسط الطريق من زاوية عكا الى زاوية ترشيحا حيث يأخذ شيخ الطريقة قسطا من الراحة في عِلِّيِّة  خاصة به في زاوية الكابري قبيل ذهابه الى زاوية ترشيحا. كانت ينابيع الكابري المتدفقة تروي بساتين الزاوية. كان المحبون والمريدون والمتجردون للطريقة الشاذلية يتقاطرون الى زاوية الكابري من مختلف المناحي.

          كان مشايخ الطريقة اليشرطية الشادلية يحترمون ويعتبرون آل توسيز أخوالهم. " كان حضرة (سيدنا) الشيخ الهادي اليشرطي يداوم على زيارة أخواله آل توسيز في الرَّيِّس عندما كان يقيم في زاوية الكابري من حين لآخر."(2)

          لمحة تاريخية عن سعيد البيك والعلاقة بآل توسيز:

          يُروى: " أن السيد سعيد عبد العال من رجال قرية الشيخ داود زمن العهد العثماني، كان كريما وصاحب صولة وجولة ومهابة في قرى الساحل الشمالي من فلسطين. كان مولعا باقتناء الخيول المطهَّمة والجمال ويمتلك العقارات الواسعة. كان له ديوان يؤمه رجال المنطقة لحل قضاياهم في ديوانه العامر بضيوفه. كان أحد الأتراك خادما أمينا ومرافقا غيورا له في حِلّه وترِحاله ردحاً من الزمن. استأذن ذات مرة من واليه للسفر الى استنبول . بعد سنوات منصرمة من رحيله دعي السيد سعيد عبد العال للجندية في الجيش العثماني. التقى هذا الرجل الكريم المضياف بخادمه في مكتب التجنيد في استانبول وكان مرافقه سابقا من رجال أمن دولة بني عثمان وله مقام رفيع في أجهزة أمن الدولة لدى الباب العالي. أخذ هذا الحارس الأمين بيد (سيده) الى مراتب القيادات العليا، نال السيد سعيد لقب " بك " وحظوة عليا بتجهيز " مشنقة للعصاة على دولة بني عثمان" في منزله الكائن في الشيخ داود. صار البيك عونا ويدا ورجل أمن للدولة العثمانية في المنطقة. (1)"

          يروى ايضاً: " أن سعيد بك عبد العال تزوج فتاة من آل دباجة من الكابري. كان هذا الرجل من أجود القوم في المنطقة، ومن أحفاده اليوم ابو رمزي يوسف رستم وأصلاب آخرون يسكنون في الشيخ داود وفي الغابسية وفي مدينة عكا، ومن عائلته أيضا جميل بك عبد العال الذي رزق بثلاثة أولاد : محيي، عبد القادر، وأحمد " (2) .

مصاهرة آل عبد العال "البيك" بآل توسيز "الأفندية": كان أهل الكابري يعرفون محمد علي أفندي من سلالة آل توسيز بحكم الجوار أولا، ووجود مطحنة الريس ثانيا، ولصلة قرباهم بمشايخ الطريقة الشاذلية ثالثا، ورابعا كان أطفال آل توسيز يتعلمون في مدرسة القرية حتى الرابع الأبتدائي ثم يلتحقون بمدارس المدن. تزوج علي أفندي توسيز عدة نساء ، كانت منهنّ زوجة يمنية الأصل أنجبت فتاة. تزوجت هذه الفتاة من رجل ينتمي لعائلة سعيد بك عبد العال ورزقا ثلاثة أبناء: فياض، عبد العال وعلي. ومن ثم اشتهرت هذه المرأة من آل توسيز بكنية " ام فياض البيك" .

          تزوج فياض وعبد العال البيك من آل القاضي من ترشيحا، وتزوج علي البيك من علياء حسن الوعرية من الكابري.

          صار السيد علي أفندي توسيز جَداً لآل البيك وكان ابناؤه وسلالته أخوالا لآل البيك عبد العال. وبذلك صار الشيخ محمد الهادي اليشرطي يُكنّى بخال آل توسيز وخال آل البيك نسبة لأم فياض البيك ابنة علي أفندي توسيز.

          التحق آل البيك من رحم ام فياض بجدِّهم في الرّيسّ يشرفون على أحد بساتينه في الكابري، كانوا يعيشون مع خالهم محمد علي أفندي توسيز الذي سلمهم المطحنة وبستاناً ودور الريس كما سلم الصيداوي من قرية النهر البستان الثاني، وسلّم أصلان من قرية الغابسية البستان الثالث. كانت كل هذه البساتين محيطة بدور الريس وترتوي من مياه عين العسل الكابري.(3) تقع هذه البساتين غرب وشمال مقبرة الكابري. وبمصاهرة ونسب آل توسيز بابناء آل البيك صار الرّيسّ يُعرف بمساكن آل البيك.