الباب الاول

الكابري في عيون الزمن

 

1 – محطات الكابري التاريخية .

2 – الآثار التاريخية العينية.

3 – سقوط الكابري في شراك الصهاينة .

4 – موقع الكابري واطيافها .

5 – الاعلام الدينية والدنيوية .

      أ – العَلمَ الديني الصوفي .

      ب- عَلم الزعامة الدنيوية والسياسة .

      ج – عَلم الزعامة العسكرية.

 



1 - محطات الكابري التاريخية

اتفق علماء التاريخ ان نشوء الدول بدأ بالمدينة، ومن المؤكد أن عكا ومدن الساحل اللبناني قد شادها الفينيقيون الذين هجروا جزيرة العرب فاستقر الكنعانيون في فلسطين . كانت الكابري آهلة بالسكان مع النهر والتل سنة 3200 قبل الميلاد(1) على عهد الكنعانيين واتصفت بالنمو والعمران منذ العصر البرونزي، وباطن ارض الكابري يكتنز بالجرار الفخارية وقطع الزجاج السميك الملوّن واحجار الفسيفساء الملوّنة.

غزاها فراعنة مصر 1479ق . م وتعرضت للنهب والتدمير للمرة الأولى؛ ولم يصلها العبرانيون لان عكا ومحيطها كان تابعاً لمملكة أحيرام الفينيقي ملك صور. إجتاح الآشوريون عكا وساحلها في القرن الثامن قبل الميلاد وتعرضت الكابري ثانية للسلب والتدمير حيث عسكرت الجيوش الغازية على ينابيعها. اعقبتها جحافل البابليين بقيادة نبوخذ نصر الشهير بالتدمير والنهب والسبي في أواخر القرن السادس قبل الميلاد ولحق الكابري قبل ان يلحق عكا من تدمير للمرة الثالثة. لم تسلم المنطقة من شرور الحثيين الغزاة في أوائل القرن السادس قبل الميلاد للمرة الرابعة. وما ان مر قرنان من الزمن حتى غزا الاسكندر الكبير الشرق القديم، وفي هذا العصر الهيليني جُرّت مياه الكابري الى مدينة عكا على شكل قنوات للمرة الأولى . انتهت دولة اليونان البطالسة والسلوقية خلفاء الاسكندر بمجيء جحافل الرومان 63ق.م. كانت المنطقة تدين بالوثنية وتعدد الآلهة وان كان اليونانيون اصحاب ثقافة وحضارة وعمران. اعيد بناء القرية تحت اسم (كابرايا) بمعنى الكبيرة.

ولد المسيح في فلسطين وحل الدين المسيحي بدل تعدد الديانات الوثنية، وظلت قبائل مُنغَلقة ومرتحلة في الاصقاع تدين بالدين اليهودي، انتشرت الكنائس بدل المعابد الوثنية والانصاب والأزلام. انقسمت الامبراطورية الرومانية الى غربية عاصمتها روما، والى شرقية عاصمتها بيزنطية. ظلت ديار الشام تحت الحكم البيزنطي الجائر حتى القرن السابع الميلادي.

ظهرت الفتوحات الاسلامية واستولى العرب المسلمون على فلسطين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب 638 م ثم خضعت ديار الشام والعراق للحكم الاموي 661م وخلفه الحكم العباسي وتعدد دويلاته 750م . انتشر الاسلام في ديار الشام وارتفع نداء التوحيد من على مآذن المساجد حتى احتل المنطقة موجات الغزو الصليبي الاوروبي عام 1099م وصار دين الناس على دين ملوكهم، ظل المسلمون يعتصمون بحبل الله بتأهبون للجهاد.

سمىّ الصليبيون الكابري بعد إعادة بنائها باسم (كابِرا)، وأقاموا في رحابها المستوطنات والقلاع العسكرية الصليبية. وفي عهد المماليك الاتراك دمر الاشرف خليل بن قلاوون قرية الكابري ( كابرا الصليبية) للمرة الخامسة كما دمّر المستوطنات في رحابها وهدم القلاع والحصون ثم جلب فلاحين مصريين اعادوا بناءها واوقف نتاج اراضيها لاوقاف القاهرة. وفي عهد المماليك الشراكسة سمىّ المقريزي المتوفّى سنة 1441م الكابري باسم (الكبيرة) لنموها وازدهارها. انتهت دولة المماليك الشراكسة بانتصار العثمانيين في معركة مرج دابق 1516م عين العثمانيون والياً عثمانياً في دمشق يدير شؤون ديار الشام على شكل امارات ومشايخ وعشائر محلية. عاد الفلاحون المصريون الى مصر بانتصار بني عثمان الى مصر. صارت الكابري خراباً تتبع أراضيها وقفاً للسلطان العثماني وولاته في صفد وعكا (دون إصدار سندات تمليك). حل محل بيوت المصريين عائلات اقطاعية كانت عوناً لامراء الشام والحكم العثماني. هبط القرية عائلات من القرى المجاورة ومن صفد تعمل بزراعة الاراضي.

شهد العهد العثماني احداثاً دامية ومزيداً من الفتن علىعهد ولاة متمردين على سلطة والى الشام وعلى سلطان الباب العالي بمساعدات عسكرية اوروبية بعد دحر الصليبيين عن ديار الارض المقدسة. ومن هؤلاء الامراء الولاة الامير اللبناني فخر الدين المعني الكبير 1595 – 1634م الذي ارهق الاهلين بالضرائب ليكسب رضا الدولة العثمانية التي منحته لقب سلطان البر، ثم نفذت فيه حكم الاعدام، اصيبت امارته بالفوضى والاضطراب على ايدي القوات العثمانية المناوئة وتدمير القرى المؤيدة للامير المعني الكبير.

وفي سنة 1750 م استولى ظاهر العمر الزيداني على عكا وبنى المطاحن على مجاري الينابيع وجفف المستنقعات وشجع الزراعة والصناعة والتجارة مع فرنسا. تحالف مع علي بك المملوكي والي مصر واجتمعا على عصيان الباب العالي والتوقف عن دفع الأتاوات والضرائب والرشاوى، هاجمه والى الشام بأمر من الباب العالي وهزمه فسبب الخراب والنهب والقتل في عكا وقرى الساحل ومنها قرية الكابري واغتيل ظاهر العمر 1775م.

عين العثمانيون المملوك احمد باشا الجزار الالباني الاصل حاكما على عكا 1775م. فرض الضرائب الباهظة على السكان لارضاء والي الشام والباب العالي، نال لقب باشا الشام ثم امير الحج. كانت امارته حافلة بالبطش والتعذيب والاحداث الدموية وسبي النساء وبيعهن في سوق النخاسة  كما اهتم بالعمران في عكا وجر مياه ينابيع الكابري اليها للمرة الثانية، وأنشأ جيشاً من المرتزقة البوسنيين والاكراد والارناؤوط والمغاربة. اظهر الجزار سخاء متناهياً بارسال الهدايا والذهب الى السلطان العثماني وحاشيته من لقمة المواطنين خاصة الفلاحين قهراً وظلماً. واهم حدث تاريخي على عهده انه دحر حملة نابليون بونابرت 1799م عن عكا، ويبدو ان جيش نابليون عسكر في الكابري حول مياه عين العسل حيث مقابر الضباط الفرنسيين ماثلة في مقبرة "النَّوَر" شرق عين العسل.

اثناء حصار عكا رفض الامير اللبناني بشير الشهابي مساعدة الجزار ضد نابليون، خشى الشهابي من بطش الجزار فهرب الى حوران ثم اعادته الدولة العثمانية والياً على جبل لبنان بعد موت الجزار. كان الشهابي متعاوناً مع المملوك سليمان باشا العادل خليفة الجزار على عكا والذي اصلح اقنية مياه الكابري وبنى الطوالع لدفع المياه. انضم الشهابي الى ابراهيم باشا المصري في حملته ضد عبد الله باشا الجزار 1832م خليفة سليمان باشا على عكا؛ كانت حملة ابراهيم باشا بدفع من والده والى مصر ضد الدولة العثمانية.

كان عبد الله باشا الجزار قد حضن احمدبك توسيز المملوكي الهارب من مصر وعينّه قائداً لجيشه ووهبه أراضي الكابري ومياهها، بنى توسيز منازل سماها "الرّيس" وأنشأ طاحونة تُسيَّر بدفع مياه عين العسل؛ أعدمه ابراهيم باشا وارسل عائلته الى الآستانة. اتخذ ابراهيم باشا المصري من الكابري معسكراً لجيشه اثناء حصار عكا كما فعل نابليون بونابرت، حيث ما زالت مقابر ضباطه في مقبرة "النَور" مع مقابر ضباط الفرنسيين. بعد انسحاب ابراهيم باشا المصري من عكا 1840م بضغط عسكري من بريطانية والنمسا والبحرية العثمانية والذين توجسوا خيفة من حركة توحيدية عربية بقيادة والي مصر محمد علي الكبير. هرب الشهابي الى مالطة ثم توفي في القسطنطينية.

عادت عكا ومنطقتهاالى الحكم العثماني الذي اعتمد على الاقطاعيين واعوان حكمه، بدأت تستصدر سندات تمليك الاراضي 1860م، اعفت القوانين العثمانية رجال الدولة والولاة واتباعهم وموظفيهم وكذلك المؤسسات الدينية والحركات الصوفية من دفع رسوم التسجيل. عجز الفلاحون الفقراء عن دفع رسوم التسجيل والضرائب مما دفعهم الفقر المدقع ان يلجئوا الىالاغنياء او المقربين من الولاة او الحكام لتسجيل ارض ابائهم واجدادهم، ومن الفقراء من وهب اراضيه للزاوية الشاذلية في الكابري .

يروي الطاعنون في السن ان زواج المرحوم محمد افندي سرحان – رئيس متصرفية صفد آنذاك .. من السيدة خشفة بلقيس والتي ورثت الزوجة عن ابيها الاراضي الشاسعة، كما تزوج المرحوم (الجد الاول) درويش الجشي من اختها نزهة بلقيس، والتي ورثت الاراضي الواسعة ايضاً؛ وقد ورث انسباء هذه العائلة الاراضي في القرية. ويتابع الرواة أن السيد محمد أفندي سرحان قد استغل منصبه في متصرفية صفد وسنجق عكا ايام الحكم العثماني لمدينة عكا من سنة 1840م الى سنة 1888م سجل باسمه الأراضي الواسعة من مشاع القرية في الدوائر العقارية في صفد، كما حصل على فرمان من الدوائر العثمانية في دمشق باستغلال مياه جعتون وينابيع عين العسل مما دفعه أن يزرع البساتين ويبني المطاحن. كانت مخازنه مليئة بالغلال وأكياس الطحين. لما حلت الكوارث الطبيعية على اصقاع الدولة العثمانية مثل حلول سفر برلك وانتشار الجراد الذي أتلف الزرع والضرع، لم يكن بوسع الفلاح الفقير من قدرة على تخطي المجاعة الا برهن أرضه لأي ثري كالسيد محمد أفندي سرحان وغيره من اثرياء ترشيحا أو عكا ومن الأهالي من باع أرضه للموسرين من آل ترشيحا الذين بنوا، كما هو شائع، بيوتا كالخشش تأويهم وتأوي الحيوانات الأليفة كالبقر والحمير والبغال أيام الزرع والحصاد، ومن هذه الخشش ما أهمل وتهدم، ومنها ما بيع لسكان استجدوا على القرية. (وقول آخر ان هذه الخشش كانت بيوتاً للمصريين) والله اعلم.

عندما اقترن مؤسس الطريقة اليشرطية الشاذلية بالسيدة خديجة كريمة أحمد بيك توسيز بنيا الزاوية اليشرطية الشاذلية في الكابري. ضمت في جنباتها المتجردين والمريدين والعاملين في أملاك الزاوية. كان السلطان عبد الحميد الثاني آخر الخلفاء من أتباع الطريقة الصوفية الشاذلية كما تقول السيدة فاطمة اليشرطي. استصدر السلطان فرمانا يمنح بموجبه الزاوية الأراضي الواسعة في الكابري واستغلال جميع مجاري مياهها معفاة من الضرائب ورسوم التسجيل ودفع الميري.

في سنة 1888م الحقت عكا بولاية بيروت وأصبحت مركزا للواء الجليل وصفد وطبريا والناصرة، كان مركز الأمن العام الفلسطيني والجمرك في المصطبة جنوب الدامور السعديات ، وما زالت كتل الباطون تبرهن على ترسيم حدود عكا الفلسطينية. دام الحال كذلك حتى قامت ثورة الشريف حسين للتحرر من الدولة العثمانية بمساعدة بريطانيا وفرنسا. وقعت فلسطين تحت الأنتداب البريطاني كما وقعت لبنان وسوريا تحت الأنتداب الفرنسي. صارت الناقورة الحد الفاصل بين فلسطين ولبنان، وبذلك انسلخت فلسطين عن سوريا ولبنان تحقيقا لأهداف الحركة الصهيونية.

وصفوة القول في محطات الكابري التاريخية: " دالت عكا ومحيطها بما فيها الكابري التي حملت عدة أسماء خلال غزوات من شعوب متعددة الأجناس منذ فجر التاريخ . كانت رائحة الموت تملأ أجواء المنطقة زمنا اثر زمن ثم ما لبثت  أن كانت تنهض من تحت الركام بفضل ينابيعها الصّخابة وترابها الخصيب تبني حضارة متجددة. وما ان كانت تتوالى سنون زاهرة حتى اجتاحت سنابك خيول الطامعين والفاتحين موجة اثر موجة تلمع على صخورها كوميض برق صاعق يهدم الغزاة ما شاده اهلوها من حضارة وعمران وتجارة وزراعة واثراء. وأحيانا، كان مجاهدوها يستنهضون فتكبوا خيول الغزاة وتنثلم سيوفهم وتقع أجسامهم فرائس ضواري الطير وحيوانات البراري، ويفر من طال عمره يلتقط انفاس هزائمه ويجر أذيال خيبته. ومن ثم كان يستوطن القرية أهلون وفدوا من أنحاء فلسطين ومن ديار الأسلام، جذبهم خصيب ترابها وينابيع مياهها واستمطار معصراتها وطيب نسماتها فيطمع فيها شعوب ساقتهم رياح البحار من شواطئ الغرب تمزق صفارات زوارقهم وبواخرهم شواطئ الساحل، ينشرون الرعب في قراه ومدنه، وينهبون المال والذهب، ويدمرون ما بنته السواعد السمر من بنيان وازدهار. هكذا تتنوع الآثار المختلفة باختلاف أجناس سكانها لغة ودينا وانتماء وحضارة.

وفي أواخر القرن التاسع عشر سنة 1882م ميلادية هبت أولى موجات الارهاب من الصهاينة تضرب شواطئنا الآمنة وفي عقول قياداتهم خطط الخداع والغدر، وفي جعبهم كنوز الذهب والمال تغدق على السماسرة وافره لشراء الأرض في فلسطين ومن ثم اقامة دولة اسرائيل المزعومة وتدمير المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان. بدأت الحركة الصهيونية بتسخير ضمائر ولاة بني عثمان والمتنفذين وأصحاب الأقلام الأعلامية وعقول العلماء والأدباء والساسة في أوروبا والبلاد العربية  . كانت الحكومات الأتحادية في الدولة العثمانية الأسلامية قد استندت الى الأسرائيليين والماسونيين وجمعيات سرية أخرى تدور بفلك الماسونية والصهيونية لتتغلب على الفكر الوطني واللسان الحر واليد المقاومِة. كانت تستعين بأموالهم لشراء الأرض العربية وضمائر الأفندية وتمزيق نسيج الشعب الواحد وتفتيت الإرادة القتالية واضمحلال العقيدة الوطنية.

استطاع الصهاينة شراء الأراضي في فلسطين من ولاة بني عثمان، كما يؤرخ نجيب عازوري، ومن الأقطاعيين العرب من سوريين ولبنانيين لأمتلاك فلسطين ومن ثم تدمير قراها وتهجير مواطنيها العرب لبناء مستوطنات على أطلال قرانا وبياراتنا وكروم زيتوننا كما حصل في قرية الكابري على عهد الشتات وفي جميع أنحاء فلسطين المحتلة بعد نكسة 1967م، وبذلك تم لهم كسر حلقة الأتصال بين مشرق العرب ومغربه، كما تم لهم تقسيم البلاد العربية الى دويلات ضعيفة تتنازع على الحدود وتهتم بشؤونها وشجونها القطرية. لذلك تفتتت الارادة العربية الواحدة بفضل ترسيم الحدود باشراف (سايكس بيكو) وقد عملا على جعل حلم الشريف حسين في اقامة المملكة العربية الهاشمية المتحدة حلما سُباتيا ينقشع مع انبلاج فجر العقد الثاني من القرن العشرين.

انقضى القرن العشرون وحل حاديه وأرض السلام تتخضب بدم ابرياء اهلها على ايدي قوات الصهاينة بدعم أنكلو أمريكي علها تحقق حلم اساطيرها من النيل الى الفرات، وكأن خليقة العربان كلها صم بكم عمي لا يفقهون ولا يعلمون الا من آمن بالجهاد المقدس والاستشهاد.

ان أول ما قامت به بريطانيا الماكرة هو تنظيم شبكات الصهيونية في أوروبا وفي الدولة العثمانية وفي الأقطار العربية. ظهر نجاح اليهود في أعمال الجاسوسية والتخريب الفكري والأعلامي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر لنشر الشائعات لخدمة السياسة البريطانية التي عملت على اشراك المانيا حليفة تركيا في قذارة اللعبة الصهيونية وكذلك أشركت فرنسا، وأخيرا تبنت الولايات المتحدة الأميريكية المسخ الصهيوني وتخلّت عن مبادئ الرئيس ولسون الذي أكد حق تقرير المصير للشعوب ومبدأ تحريرها من الظلم والاضطهاد.

ولما آن أوان مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولى ذهب الأمير فيصل ابن الشريف حسين" الحسيب النسيب" الى مؤتمر الصلح، أرسلت بريطانيا الأستعمارية بعضا من القيادات الصهيونية الى الولايات المتحدة الأمريكية وقدموا طلباتهم اليها. شكلت حكومة هذه الولايات لجنة ظالمة  من الخبراء لدراسة المشكلة الفلسطينية. تبنت هذه اللجنة طلبات الصهاينة، وقدمت الى رئيس مؤتمر الصلح وقتئذ مقترحاتها في 12 كانون الثاني سنة 1919م جاء فيها:

1 – انشاء دولة منفصلة عن سوريا في فلسطين.

2 – تكون بريطانيا منتدبة على فلسطين من قبل عصبة الأمم.

3 – توجيه الدعوة الى يهود العالم للعودة الى فلسطين والاستيطان فيها مع المحافظة على الحقوق الشخصية الدينية والملكية للسكان من غير اليهود. وتؤكد المقترحات بأن سياسة عصبة الأمم ستقوم على الأعتراف بفلسطين كدولة يهودية .

ان مبدأ تحرير الشعوب وحق تقرير المصير الذي أصدره الرئيس الأمريكي قد حنث به خلفاؤه وكان خديعة للشعوب المستضعفة عامة وللشعب العربي والفلسطيني خاصة. لقد تم سلب الشعب الفلسطيني المجاهد من أرضه ومنعه من حق التعبير عن آمانيه وآماله وأهدافه وأعطى اليهود حقوقا باطلة تعتمد على اساطير توراتية خرافية، وبذلك حققت بريطانيا الأستعمارية وأمريكا المتصهينة الظالمة شريعة الغاب  .

عرف أهل فلسطين منذ وقت مبكر ما تشكله الهجرة الصيونية من خطر على وجودهم، كما أدركوا التحالف الإستعماري مع الصهيونية فتصدوا لمقاومته بكل جهد مستطاع رغم ضعف قدراتهم وامكاناتهم: لا سلاح لهم الا الأيمان بحقهم، ولا وسيلة الا الإعتماد على انفسهم. فقد تمزقت بلاد العرب شر تمزيق في غمار الحرب العالمية الأولى، ونفذ الفرنسيون انتدابهم على سوريا بعد معركة ميسلون سنة 1920م . كانت بريطانيا قد أخضعت مصر من قبل واتخذت منها قاعدة لتحركها السياسي والعسكري والجاسوسي، بدأ كل قطر عربي ينشغل بهمومه مما ساعد بريطانيا على تنفيذ مشروعها الصهيوني.

كان الفلاحون وفقراء المدن من الفلسطينيين أشد الناس حماسة رغم فقرهم المدقع. كان أكثرهم استعدادا لحمل مشعل الثورة والتضحية. كانوا على استعداد لملاقاة الموت سعداء. شارك أهل الكابري كغيرهم من الفلاحين في جميع الثورات والإنتفاضات الفلسطينية وقدموا التضحيات على مذبح التحرير حينا بعد حين. وما زالت آليات القافلة الصهيونية شاهد عين، وما زال النصب التذكاري لقتلاهم دليلا ساطعا، وما تدمير القرية وذبح عجائزها في أرض المعركة الا انتقام وبرهان على حقدهم وفاشيتهم.

اني لست بصدد تعداد الثورات الفلسطينية ومعاناة الأسرى والمعتقلين والمنفيين والذين علقوا على أعواد المشانق وهم يهللون للموت الزؤام فرحين مستبشرين بالجنة التي أعدت للشهداء. وما انفك الشلال يغزر عبر العقود العجاف الى أن يتم تحرير كامل التراب الفلسطيني من رجس الصهاينة وأعوانهم القريبين والبعيدين ورغم المنافقين والمقصرين والعاجزين.

بالنسبة لأراضي الكابري فقد دمجت مع أراضي ترشيحا، وليست الأرض والقرية تابعة لها كما يدعي البسطاء والمرجفون. والحقيقة التي لا مراء فيها أنه عندما بدأت حكومة الأنتداب البريطاني بمسح الأراضي في فلسطين استعانت بسجلات سنجق صفد ايام العثمانيين، وبذلك تمّ دمج أراضي الكابري بأراضي ترشيحا دون فاصل لأن أهاليهما يشتركون بأراضي السهل منذ العهد العثماني.

" واليوم من المستحيل التأكد مما اذا كانت المستعمرات السته تحتل أراضي الكابري أم اراضي ترشيحا ام أراضي معليا. المستعمرات السته هي : جعتون بنيت سنة 1948م، معونا بنيت سنة 1949م، عين يعقوف بنيت سنة 1950م، معلوت بنيت سنة 1957م. وجميعها تقع شرق موقع الكابري. وفي الجزء الشمالي الغربي من أطلال الكابري بنيت مستعمرة كيبوتس كبري سنة 1949م . وآخر المستعمرات التي بنيت على أراضي الكابري هي مستعمرة كفار فراديم. " (1) 

 

2 – الآثار التاريخية العينية

          القرية موغلة في القدم اصابها التدمير زمناً اثر زمن وتراكمت الاثار في باطن ارضها والاطلال على سطحها، نراها تتباعد في أماكن متفرقة في موقع القرية وفي خراجها، فالمساحة الجغرافية التي تقوم عليها القرية منزرعة بالآثار التاريخية كبقايا المنازل المطمورة او قطع من الزجاج السميك والفخار الفينييقي او الفسيفساء والذهب والفضة، وتحيط بالقرية آثار الخرب والقلاع والحصون الصليبية.

          يشيع على السن الأهلين هذه الروايات:

1 – كانت السيدة ام محمود فنوس الصفدي تقطف كوسى من حاكورة ابو زيدان على السلعوس. فجأة غارت حفرة وعليها بلاطة حجر لم تستطع نزعها، ولشدة تعبها وذهولها مرضت مرضاً نفسياً شديداً.

عندما اقدم صاحب الحاكورة على فلاحتها عثر على قطع ذهبية قديمة العهد. وفي احدى زواياها، اعتادت النسوة ان تستخرج تراباً كلسياً يستعمل طيناً لجدران المنازل، عثرن على قطع من الذهب الخالص بحجم قبضة اليد ينبعث منها اشعة مختلفة الالوان كلما ضربتها الشمس. اشتراها رجل من آل فريوات من البصة ثم باعها الى الجوهري عزيز بك الخياط من حيفا، وقيل انه اثرى وامتلك بنايات في شارع الملوك في حيفا.

2 – يرَوى عن حاكورة ابو محمد عثمان دغيم حيث عثر على آثار معدنية وفخارية قديمة مغمورة بفحم نباتي. بينما كانت ام محمد توفيق بلقيس تستخرج تراباً كلسياً من الحاكورة اذ عثرت على قطع ذهبية متناثرة في الحفرة، صرخت من فرط دهشتها سمعها صاحب الحاكورة واخذ نصيبه الوافر من قطع الذهب كما عثر على قنينة اثرية مليئة بالبودرة يقال له "تبر" كما اخبره الجوهري الياس الطوبي في عكا الذي ابتاع جميع الاثريات سراً.

3 – روى ابو خير عيد فيراوي انه عثر على ثلاث عشرة قطع ذهبية وفضية اثرية في منطقة الدهرة، وقيل ان ابا درويش محمود بلقيس قد عثر على ثلاثة قطع ذهبية اثناء حراثة ارضه في الدهرة.

4 – روى ابو محمد صالح الجشي عن والده قائلاً: " بينما كان العمال يحفرون اساسات الزاوية الشاذلية اليشرطية في القرية وباشراف الشيخ على نور الدين اليشرطي عثروا على دهليز في باطن الارض ينتهي بمجموعة من جرار الفخار مليئة بتراب يغمر قطعاً من الذهب. قال الشيخ الجليل : امرنا الله سبحانه تعالى ان ننير العقول على الصراط المستقيم بالايمان والعمل الصالح، لكن الذهب كنز من حطام الدنيا. ثم امر ببناء قناطر عليها وتركها لاهل الدنيا وهو يتلو الآية الكريمة:"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم(1) صدق الله العظيم.

5 – يضطجع ضريح من الطين على صورة قبر ذي جوف حيث ينار بزيت الزيتون ليلة الجمعة وليلة الاثنين وايام الاعياد . يقوم هذا المقام للسيد "المغازي" غرب دار قدورة . يتبارك اهل القرية به، وينذرون له النذور اذا ما الم مصاب بمكروه. يعتبرون هذا المقام لمؤمن له كراماته كفارس من فرسان الفتح الاسلامي.

          يروي الحاج خالد الزعزوع حادثة حدثت مفادها : عاش في القرية ايام عاطف افندي سرحان شخص يهودي اسمه الياهو زتوني مع اسرته في منزل حسين علي ذي الثروة الحيوانية. ألمت بابن اليهودي وعكة صحية اصيب بهزال شديد ووقع الابن تحت تجارب الوصفات الطبية الشعبية، ولكن حالته الصحية ازدادت سوءا. نصحتها جارتها الحاجة بيكه ان تنقل الابن لزيارة المقام وتنذر له النذور كعادة اهل القرية. لما علم الياهو بالامر صفعها قائلاً: "نحن اليهود لا نؤمن بالمقام وصاحبه ولا بدينه".

          تنامى الخبر الى مسامع الافندي عاطف سرحان الذي استدعاه الى مجلس ديوانه وسأله عن حال ولده المريض. ردّد الياهو سوء فعلته وشتائمه بسخرية وقحة امام الافندي. سرعان ما بادره الافندي بالصفع قائلاً له: " اتسخر منا ومن عاداتنا واوليائنا ومقاماتنا يا ... " اجابه اليهودي حالاً:" اليوم تصفعني يا افندي وغداً سنطردكم من بلاد اجدادنا هذه". هرول اليهودي الى منزله يحزم امتعته ثم غادر القرية.

          كان هذا اليهودي يجمع الحليب من زرائب الماعز والاغنام والابقار يستخرج الزبدة والاجبان والالبان ويسوّقها في المدن.

6 – مقبرة النّوَر: تقع غرب البيدر الشرقية تحضن مقابر للجند الفرنسيين وضباطهم اثناء حملة نابليون بونابرت على عكا، كما تضم اضرحة جند وضباط ابراهيم باشا المصري اثناء حصاره مدينة عكا. ويشاهد على كل ضريح اسم صاحبه ومسقط رأسه سواء اضرحة الفرنسيين او المصريين وكتابات باللغة الفرنسية والعربية.

7 – تتناثر في ضواحي القرية وخراجها اثار وافرة لان الانسان منذ بدء الخليقة كان يرد موارد الينابيع ومجاريها ويحط رحاله وانعامه تنعم بالمرعى اليانع المخضر وتسرح طليقة في الجبال والهضاب حيث الكلأ والشجر المخضوضر. ومن الآثار التاريخية القائمة الى يومنا هذا رغم الرياح والاعاصير والزلازل وعبث الغزاة كشواهد على القيمة التاريخية لهذه القرية ومحيطها.

أ – المطاحن: تنتشر المطاحن على مجاري المياه المتدفعة فمثلاً الطاحونة القديمة الملاصقة لبناء بركة عين العسل، وطاحونة الرّيسٍ على مجرى عيون العسل. وطاحونة في ارض جعتون حيث تتجمع آثار ابنية قديمة. والمطاحن على مجرى وادي القرن، كمطاحن الشوفينية والعسّافية والدرابسة وام الفار وطاحونة المنوات على قناة ابو لزيق شمال القرية؛ ومطحنة آل سرحان شرق القرية.

          تدلنا كثرة المطاحن ان المنطقة كانت مأهولة بالقرى والمستوطنات الصليبية حيث كانت تتر